تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(8) أما القرآن الشريف فقال: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) (القصص: 77) وقال: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) (الملك: 15) وقال: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (الجمعة: 10) وقال: (لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة) (البقرة: 219-220) أي: في أمورها معا وما به صلاحهما فأين الثريا من الثرى؟ وقال القرآن الشريف أيضا: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) (الإسراء: 18-20) ونحوه في القرآن كثير وهو يفيد أن من أراد الدنيا وسعى لها سعيها أوتيها، ولو كان كافرا ومن أراد الآخرة كذلك أوتيها وأما من لم يرد الدنيا ولم يعمل بها فلا يؤتى منها ما يؤتاه العاملون ولو كان صالحا تقيا طالبا ملكوت الله وهو الحق كما هو مشاهد بخلاف قول الإنجيل فإنه يفيد أن من طلب الآخرة ولم يطلب الدنيا أوتي الدنيا أيضا، وقال القرآن: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) (آل عمران: 145) فطلب الدنيا شيء وطلب الآخرة شيء آخر، ولا يعطاهما إلا من طلبهما معا ولا يغني طلب الآخرة وحدها عن طلب الدنيا كما هو صريح الإنجيل فإن ذلك مخالف لسنن الكون المعروفة، وقد كانت هذه الأفكار المسيحية من أسباب تأخر المسلمين فإنها انتقلت إليهم ممن دخل في دينهم من النصارى الأولين وفشت فيهم مع ترك النصارى أنفسهم لها منذ أن ارتقوا ولو اتبعوها لتركوا كل عمل وكرهوا الحياة الدنيا وعدوها سجنا لهم يجب الخلاص منه بالتجرد عنه حتى يموت الإنسان كبعض أهل الهند، وهي مبادئ لا تتفق مع مبادئ القرآن في شيء كما لا يخفى على الباحثين في المدن الأوربية، أو في الأحياء الإفرنجية الشرقية، في أيام الآحاد، أو الأعياد، وانظر إلى جمال الإفرنج والإفرنجيات وتأنقهم وجمال مساكنهم وملابسهم ومشاربهم ومآكلهم وتمتعهم بسائر أنواع اللذات والشهوات والمسرات وخصوصا التمتع بالنظر إلى الكاسيات العاريات من الغانيات الحسان، والفتيات الفاتنات الكاعبات الأبكار والثبيات، وقل لي بأبيك في أي شيء تتفق هذه المدنية الأوربية (أو الرومانية باعتبار أصلها) مع التعاليم المسيحية الحاثة على الفقر والتقشف وترك مطالب الحياة وإهمالها كلها، والحاضة على الزهد في الدنيا والناهية عن الاعتناء بالجسد والآمرة بطلب الخبز الكفاف من الله يوما بيوم (مت 6: 11) والمحرمة النظر بشهوة إلى الأجنبيات (مت 5: 28) مع أنه لا توجد نساء في الدنيا تبدي من الخلاعة والزينة وكشف أجزاء من أجسامهن واختلاطهن بالرجال والرقص معهم وتبادلهن معا كئوس بنت الكروم أكثر من الإفرنجيات المسيحيات، فبأي حق أو عقل يسمون هذه المدنية الأوربية بالمسيحية وبينهما كما بين السماء والأرض، إني والله لا أجد في الدنيا اسما أكذب من هذا الاسم، ولا يصح اعتبار المسيحية الدين الكامل للبشر الختامي لهم بل كان فقط درجة تمهيدية في ذلك الزمن زمن بعد اليهود عن روح الدين وتعلقهم بقشوره وانتشار المدنية الرومانية وما فيها من الإسراف والترف والملاذ والإغراق في الماديات مع عدم ارتقاء العقل البشري إلى الدرجة التي ارتقى إليها فيما بعد فأتت المسيحية أيضا لنقدر به على مقاومة كل ذلك ولتهيئ النفوس لقبول الإصلاح الإسلامي الختامي الجامع بين مصالح الدين والدنيا ومطالب الروح والجسد والخالي من الإفراط والتفريط لعدم حاجة الناس في زمنه إلى غلو المسيحية لارتقاء العقول والنفوس عن ذي قبل فيكفيها الاعتدال في بيان الحقيقة على أكمل وجهها، فهذا هو سبب اختلاف المسيحية عن الإسلام في أوامرها وتعاليمها فإنها لا تناسب إلا زمنها ولكن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ولذلك تجده أقرب إلى الفطرة البشرية والعقل من كل دين آخر ولا تجد سواه يتفق مثله مع أصول المدنية الصحيحة والحضارة والعمران والعلم، والذي يدلك على ارتقاء الناس في الجملة علما وعقلا ونفسا في عهده عن ذي قبل مع أن ذلك من مقررات العلم الحديث القائل بترقي المتأخر عن المتقدم أنهم كانوا أبعد عن الوثنية، أميل إلى التنزيه والتوحيد، وكان عندهم ميل شديد ورغبة عظمى في البحث والنقد والتمحيص والفلسفة العقلية مبلغا لا نكون كاذبين إذا قلنا: إن الإفرنج إلى الآن لم يساووهم تماما في ذلك، ولذلك جاءهم الدين خاليا من التكليف بالمحال ومن الغلو، معتدلا في جميع ما شرعه لهم؛ لأنهم كانوا قد ارتقوا عن درجة الطفولية التي كانوا فيها من قبل وأصبح عندهم من التمييز والعقل وقوة الإرادة ما لم يكن عند الأولين، ولو جاءت المسيحية معتدلة مثله لما كان لها ما كان من التأثير في تلك العقول الضعيفة، والنفوس الصغيرة، ولبقي الناس حيث كانوا، فتبارك الله أحكم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣١٢