تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جيش الدولة ليس جيشا لنا، وإنما هو الغالب علينا.

هنا يخطر ببال كل قارئ هذا السؤال: إذا كان هذا هو اعتقاد هذا

المبعوث في الجمعية فلم بقي فيها؟ وعندي جواب هذا السؤال؛ فإني كنت ألقيته

عليه قبل تلك السنة التي قال فيها كلمتة النارية، فقال: اسكت إنني علمت أن

زعماء هذه الجمعية إذا أحسوا بأن أمر الدولة أشرف على التفلت من أيديهم

فإنهم يعرضونها للزوال دون ذلك، ولهذا أرى أن بقاءنا معهم خير من تركنا

إياهم.

هذا بعض تأثير تهييج الاتحاديين للعصبية الجنسية ومحاولتهم تتريك

العناصر حتى العرب الذين هم أخلص المخلصين للدولة، وقد ظهر صدق

إخلاصهم لها بالبرهان والعيان.

وناهيك بكفاحهم في طرابلس الغرب وبلائهم في هذه الحرب، وهل يخفى

على بصير ما لليأس من الغوائل وسوء العواقب. وأما تأثيره في نصارى أوروبة

العثمانيين من البلغاريين واليونانيين والمصريين، فهو الذي أوقد نار هذه

الحرب، وكان أكبر شرها وويلها على الترك والمستتركين الذين هضم الاتحاديون

حقوق جميع العناصر وقصدوا إذلالها بجهلهم، وما كان أغناهم عن ذلك.

كان المفتونون بخداع الاتحاديين من مسلمي العرب يخطئون أهل

البصيرة من إخوانهم إذا طالبوا الدولة بالعناية بتعليم اللغة العربية في مدارسها،

وجعل القضاة والحكام في الولايات العربية من العارفين بلغة أهلها، وما

كان من حجتهم إلا أن قالوا: إنكم إذا طلبتم هذا فتحتم الباب لنصارى مقدونية

لطلب مثله لأنفسهم، ظانين أن رضانا بهضم حقوقنا يكون سببا لرضاء أولئك

بمثل ما نرضى به وبدونه، جاهلين أنهم لا يرضون بمثل تلك الحقوق التي

يحملوننا على السكوت عن طلبها، وإن كان صلاحنا وصلاح دولتنا لا يكونان

إلا بها، وإنما وجهتهم انفصال ولاياتهم من الدولة ألبتة، واتصال كل شعب

منها بالدولة التي هو من جنسها.

بل جهل هؤلاء المفتونون بخداع الاتحاديين أنه لولا نصارى الولايات العثمانية

الأوروبية لما خطر في بال أحد من رجال دولتنا وإخواننا الترك فكرة الحكومة

النيابية.

ولا حاجة إلى شرح هذه المسألة الآن، وإنما موضع العبرة الذي اقتضت

الحال بيانه هو أن جمعية الاتحاد والترقي جعلت الدستور خدعة لهؤلاء الناس

وللدول التي تنتصر لهم.

وأما مسلمو العثمانيين من العرب والأرنؤوط والأكراد فلا قيمة لهم

عندها؛ لأنها تعتقد أنها تدبر أمرهم بالقوة القاهرة، فكان غرورها هذا مهيجا

لهؤلاء النصارى وحاملا إياهم على الحرب الحاضرة بعد أن رأوا الجمعية

نفرت جميع العثمانيين من الدولة وأضعفت ثقتهم بها، وأحدثت مفاسد أخرى

أضعفت قوتيها: المادية والمعنوية، وهو ما بينا بعضه في المقالة الأولى،

وسنبين بقية المهم منه في المقالات الأخرى.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) نشرناها أولا في المؤيد.

(1) هكذا في الأصل والمقصود الكتابة.</span></span>

الكاتب: عناية الله أحمدي

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٨