تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واليهودية باطلة؛ فما فائدة بعثة عيسى إذا، ولم فتن الله الناس به حتى اتخذوه إلها؟

قلت: لا شك أن عيسى كان نبيا كبيرا ورسولا عظيما جعله الله مثالا حسنا للناس

ليهتدوا بهديه وليقتدوا به في أخلاقه وأعماله وأقواله وسيرته الطاهرة، وقد اشتهرت

تعاليمه الداعية إلى السلم والرحمة والرأفة والزهد في الدنيا كما قال القرآن الشريف

: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم

إلا ابتغاء رضوان الله} (الحديد: 27) وذاع إصلاحه في الأرض منذ وجوده للآن

رغما عن كل ما طرأ على دينه من التحريف والتبديل مع كثرته.

ومن فوائد بعثته أيضا أن الله تعالى جعله دليلا على قدرته على البعث والقيامة

الأخروية، فإن الناس كانت قد ضعفت فيهم أو تلاشت من بينهم تقريبا هذه العقيدة

الكبرى لدرجة جعلت الصدوقين من اليهود وهم الأمة التي اشتهرت بكثرة الوحي

فيها والأنبياء ينكرون البعث يوم القيامة (مت 22: 23 وأع 23: 8) وكان يوجد

من النصارى أيضا من تبعهم في ذلك كبعض أهل كورنثوس كما يفهم من رسالة

بولس الأولى إليهم (15: 12) وتجد أسفار العهد القديم خالية من التصريح بهذه

العقيدة اللهم إلا بعض إشارات طفيفة كما في سفر التثنية (32: 19 - 43) ولعل

السبب في ذلك وجودهم بين المصريين مدة (430) سنة (خر12: 40) واقتباسهم

منهم هذه العقيدة التي كانت عالقة كثيرا بأذهان المصريين [1] فانتقلت منهم إلى بني

إسرائيل وأصبحت عندهم من الأمور التي لا يترددون في قبولها فلذا لم يحتاجوا

للتذكير بها كثيرا فاكتفت كتبهم بالإشارة إليها أحيانا، ولا تنس أن بني إسرائيل

كانوا من أشد الأمم ميلا للتقليد وخصوصا للأمم الغالبة، فلذا انتقلت إليهم هذه

العقيدة من المصريين وانتشرت بينهم، أو كان السبب في قلة ذكر كتبهم لها أن

الناس كانوا في تلك الأزمنة قصيري الإدراك بلداء الشعور، وخصوصا اليهود ذوي

الرقاب الصلبة (خر32: 9) فلذا ما كانوا يتأثرون ولا تنفعل نفوسهم بالمواعيد

الآجلة انفعالها بالمواعيد العاجلة التي كثرت كتبهم من ذكرها لهم لغلظ قلوبهم

وقساوتها فلما كثر بين الناس الشك في هذه العقيدة وارتقى إدراكهم ورق شعورهم

عن ذي قبل جاء عيسى لتبيين هذه العقيدة العظمى، واشتهر بالتصريح بها أكثر من

جميع من سبقه من أنبياء بني إسرائيل، وقد بين قدرة الله تعالى على البعث والنشور

بمعجزاته العظيمة كإحياء الموتى وخلقه من الطين طيرا وبوجوده هو نفسه بدون

أب خلافا لما اعتاده الناس فالله تعالى الذي أجرى على يديه كل هذه الآيات البينات

(أع 2: 22) لا شك أنه قادر على إحياء الموتى يوم القيامة [2] .

فإصلاح الأخلاق وتذكير قومه بكلام الله القديم الذي كانوا هجروه وإرشادهم

إلى حقيقة الشريعة وروحها والدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر والزهد في الدنيا؛

لشدة انغماس الناس في زمنه في الماديات هي أهم ما جاء عيسى به، وهي

أعظم ما عرف عنه بين جميع أتباعها، واشتهر به على اختلافهم في الآراء

والمعتقدات ولو أنهم جعلوا نعيم الآخرة روحانيا فقط، مع اعترافهم بالبعث الجثماني

بل والعذاب الجسداني أيضا [3] بسبب تأثير أقوال بعض فلاسفة اليونانيين فيهم

كأرسطو حتى أولوا أقوال المسيح نفسه الدالة على عكس ما ذهبوا إليه تقليدا لهم كما

في (متى 26: 29 ولوقا 22: 30) .

ولكن من المجمع عليه أن أكثر تعاليم عيسى وشغله الشاغل كان في الدعوة

إلى مكارم الأخلاق والسلم والتمسك بروح الدين [4] وجوهره الإيمان باليوم الآخر

والعمل على نشر ذلك كله بين العامة والخاصة من قومه، ولكنه قل أن تعرض

للإلهيات لعدم حاجة اليهود إليها بل أحالهم فيها إلى ناموسهم؛ إذ فيه الكفاية منها،

وبين أن التوحيد هو أول كل الوصايا (راجع مثلا مرقس 12: 28 - 34) كما كان

معلوما لديهم من قبل وقد استفاد العالم من تعاليمه كثيرا منذ زمنه إلى الآن.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٦٤