والأخوال والأجداد وغير ذلك، وليس في بني آدم أمة تنكر الإقرار بهذا، وكذلك لا
ينكر أحد من بني آدم أنه ولد صغيرا، وأنه ربي بالتغذية والحضانة ونحو ذلك حتى
كبر، وهو إذا كبر لم يذكر إحساسه بذلك قبل تمييزه، بل لا ينكر طائفة من بني
آدم أمورهم الباطنة مثل جوع أحدهم وشبعه، ولذته وألمه، ورضاه وغضبه،
وحبه وبغضه، وغير ذلك مما لم يشعر به بحواسه الخمس الظاهرة، بل يعلمون أن
غيرهم من بني آدم يصيبهم ذلك، وذلك مما لم يشعروا به بالحواس الخمس الظاهرة،
وكذلك ليس في بني آدم من لا يقر بما في غير مدينتهم من المدائن والسير
والمتاجر؛ وغير ذلك مما هم متفقون على الإقرار به، وهم مضطرون إلى ذلك،
وكذلك لا ينكرون أن الدور التي سكنوها قد بناها البناءون، والطبيخ الذي يطبخونه
طبخه الطباخون، والثياب المنسوجة التي يلبسونها نسجها النساجون، وإن كان ما
يقرون به من ذلك لم يحسه أحد بشيء من حواسه الخمس وهذا باب واسع، فمن
قال: إن أمة من الأمم تنكر هذه الأمور، فقد قال الباطل.
وقول من يقول من المتكلمين: إن السوفسطائية قوم ينكرون حقائق الأمور،
وإنهم منتسبون إلى رئيس لهم يقال له سوفسطاء، وإن منهم من ينكر العلم بشيء
من الحقائق، ومنهم من ينكر الحقائق الموجودة أيضا مع العلوم، ومنهم اللاأدرية
الذين يشكون فلا يجزمون بنفي ولا إثبات، ومنهم من لا يقر إلا بما أحسه، قد رد
هذا النقل والحكاية من عرف حقيقة الأمر، وقال: إن لفظ السوفسطائية في الأصل
كلمة يونانية معربة، أصلها سوفسطا: أي الحكومة المموهة، فإن لفظ (سو)
معناه في لغة اليونان الحكمة؛ ولهذا يقولون: فيلاسوفا أي محب الحكمة، ولفظ
فسطا معناه الحكومة المموهة، ومعلم المستأخرين المبتدعين أرسطو لما قسم حكمتهم
التي هي منتهى علمهم إلى برهانية وخطابية وجدلية وشعرية ومموهة، وهي
المغاليط سماها سوفسطا؛ ثم ظن بعض المتكلمين أن ذلك اسم رجل؛ وإنما أصلها
ما ذكر.
وإن كان لفظ السفسطة قد صار في عرف المتكلمين عبارة عن جحد الحقائق،
فلا ريب أن هذا يكون في كثير من الأمور، فمن الأمم من ينكر كثيرا من الحقائق
بعد معرفتها كما قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ (النمل:
14) وقد يشتبه كثير من الحقائق على كثير من الناس كما يقع الغلط للحس أو
العقل في أمور كثيرة، فهذا كله موجود كوجود الكذب عمدا أو خطأ.
أما اتفاق الأمة على إنكار جميع العلوم والحقائق أو على إنكار كل منهم لما لم
يحسه، فهو كاتفاق أمة على الكذب في كل خبر، أو التكذيب لكل خبر، ومعلوم أن
هذا لم يوجد في العلماء، والعلم بعدم وجود أمة على هذا الوصف كالعلم بعدم وجود
أمة بلا ولادة ولا اغتذاء وأمة لا يتكلمون ويتحركون، ونحو ذلك مما يعلم أن البشر
لا يوجدون على هذا الوصف.
فالقول بوجود أمة لا تقر بشيء من المخبرات إلا أن تحس المخبر بعينه ينافي
ذلك، وإذا كان كذلك فأولئك المتكلمون من المشركين والسمنية الذين ناظروا الجهم
قد غالطوا الجهم ولبسوا عليه، حيث أوهموه أن ما لا يحسه الإنسان بنفسه لا يقر
به، فكان حقه أن يستفسرهم عن قولهم: ما لا يحسه الإنسان لا يقر به: هل المراد
به هذا أو هذا، فإن أراد أولئك المعنى الأول أمكن بيان فساد قولهم بوجوه كثيرة،
وكان أهل بلدتهم وجميع بني آدم يرد عليهم ذلك، وإن أرادوا المعنى الثاني، وهو
أن ما لا يمكن الإحساس به لا يقر به، فهذا لا يضر تسليمه لهم، بل يسلم لهم
ويقال لهم: فإن الله تعالى تمكن رؤيته وسمع كلامه، بل قد سمع بعض البشر
كلامه، وهو موسى عليه السلام وسوف يراه عباده في الآخرة، وليس من شرط
كون الشيء موجودا أن يحس به كل أحد في كل وقت، أو أن يكون إحساس كل أحد
به في كل وقت، فإن أكثر الموجودات على خلاف ذلك، بل متى كان الإحساس به
ممكنا ولو لبعض الناس في بعض الأوقات، صح القول بأنه يمكن الإحساس به،