الناس خصوصا في زمن البعثة المحمدية التي ساوت بين جميع العالمين، وإن
كانوا فضلوا في بعض الأشياء، وفي بعض الأوقات عن غيرهم إلا أن ذلك لم يكن
لكل زمان ولا في كل شيء، ورد عليهم دعواهم المحبة لله بأنهم يعصونه،
والمحب لمن يحب مطيع، فهم كاذبون أيضا في دعوى محبتهم له، ولو كان لهم
عنده مزية على غيرهم لما ساوى بين الناس جميعا في العقاب الدنيوي والأخروي؛
ولذلك قال: ﴿يعذبكم بذنوبكم﴾ (المائدة: 18) أي كباقي الناس، فالمراد أن
الخلق كلهم عياله تعالى وأنه محب لهم جميعا ولم يبق مزية لكتابي على جاهلي ولا
لأبيض على أسود ولا لعربي على عجمي بل الكل عند الله سواء: {إن أكرمكم
عند الله أتقاكم} (الحجرات: 13) ويجوز أن مذهب وحدة الوجود كان فاشيا في
نصارى العرب ويهودهم كما كان فاشيا في أسلافهم الأولين على ما بينا في حاشية
(صفحة 141) فيكون مرادهم بقولهم: إنهم أبناء الله أنهم مولودون أي أن مادتهم
هي من ذات الله تعالى، فكذبهم القرآن في هذه الدعوى وبين أنهم مخلوقون محدثون
هم وسائر الناس بقدرته وصنعه لا مولودون منه، فيجوز عليهم كل ما جاز على
سائر الأحياء المخلوقة كالآلام والذل والعذاب وغيره، ولا يعقل أن الله يهين نفسه
ويعذبها لو صح قولهم إن ذاتهم هي من ذات الله تعالى، بل له ملك السموات
والأرض بالقهر والإيجاد لا بكونهما أجزاء منه، والوجه الأول عندنا أقرب إلى
ظاهر الآية فإن المتبادر منها أن العطف في قوله: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ (المائدة: 18) هو للتفسير، فمقصودهم أنهم وحدهم أحب الناس إليه كأنهم أبناؤه؛
لأن ولد الإنسان أحب إليه من كل من سواه كما لا يخفى.
واعلم أن الله تعالى منزه عن الانفعالات النفسية والجولات الفكرية والتأثيرات
القلبية ونحوها من صفات الحوادث؛ فوصفه تعالى بالحب والرأفة والرحمة وغير
ذلك هو أيضا لا ينطبق تماما على صفاته القديمة، وإنما هي ضرورة التعبير
ألجأتنا إلى هذه الألفاظ ونحوها لنفهم منها فضله علينا.
أما الحب عندنا في جانب الله فمعناه [10] إفاضته الوجود، وما يلزم له من النعم
العديدة التي لا تحصى على جميع المخلوقين ولو كانوا به كافرين مشركين ودوام
هذا التفضل والإنعام على عباده المؤمنين إلى الأبد من غير أن يعود عليه تعالى أقل
نفع له منهم جميعا، أو أدنى فائدة ترتجى له؛ إذ هو الغني عن كل ما سواه،
المفتقر إليه كل من عداه، فحبه تعالى يمتاز عن حبنا في كونه صفة أزلية له تعالى،
وإن تعلق بالموجودات بالفعل في وقت وجودها فهو كباقي الصفات الأخرى، فإن
تعلقها بالحوادث هو في غير الأزل مثل القدرة على الخلق، وأيضا فحبه أكبر
وأعظم ولا تشوبه أدنى شائبة من الحاجة إلينا أو المنفعة، كما قلنا، لا كالمعتاد
الغالب في حبنا مهما خلص، وهو يشمل جميع مخلوقاته حتى أعداءه منهم بالمعنى
الذي بيناه هنا، وهو دائم أبدا لعباده المؤمنين الذين يمدهم بالخير العظيم والفضل
العميم، والإحسان الكبير، ومن غير أن يكون شيء من ذلك واجبا عليه تعالى بل
هو كله محض فضل منه ورحمة، وأيضا فقد ينشأ عن حب بعضنا بعضا شيء من
الضرر كحب الأم الجاهلة لولدها حتى تمنعه من كل عمل فيه مشقة ولو كان نافعا
أو ضروريا، وأما حب الله لنا فهو خال من كل ضرر، ولا ينشأ عنه إلا النفع
المحض قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم﴾ (النحل: 18) وأيضا فالله عندنا غفور رحيم للمذنبين مهما كثرت جرائمهم بشرط
التوبة الصحيحة بدون انتقام ولا سفك دم (ولا يكلف الإنسان ما لا يطيق) .
أما أرقى أنواع الحب عند النصارى فهي التي تؤدي إلى الانتحار لخلاص
الناس (كما في كتاب صدق المسيحية لمؤلفه ترتون ص283) ولكن مثل هذا
الحب هو من شأن الضعفاء العاجزين المختلين الذين لا يقدرون على خلاص
محبوبهم؛ فلذا ينتحرون والله منزه عن ذلك وفوق ذلك، على أن مثل هذا الحب