ولو كان وجود أشياء في الدين المتأخر مما في الدين المتقدم يدل على كذب
نبي الدين المتأخر لكان موسى - مثلا - من الكاذبين، فإن بعض شريعته يوجد
مثله مع اختلاف طفيف جدا، في شريعة حمورابي البابلي التي اكتشفت سنة
1902 وهي أقدم من التوراة بنحو عشرة قرون، ولكان عيسى أيضا كاذبا؛ لأن
جل نصائحه وتعاليمه، إن لم نقل كلها، كانت موجودة حرفا بحرف في كتب اليهود
من قبل كما بينه كثير من علماء الإفرنج (راجع مثلا كتاب النصرانية والأساطير
ص403، 423 وكتاب شهود تاريخ يسوع ص235، 288) بل إن بعض حكم
المسيح ونصائحه يوجد مثلها أيضا في كتب حكماء اليونان والهند والصين
الأقدمين مثل كونفوشيوس الصيني الذي مات سنة 479 قبل الميلاد، حتى إن
حكمة عيسى عليه السلام الذهبية التي يفتخرون بها صباح مساء وهي قوله (مت 7:
12) : (فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم؛ لأن
هذا هو الناموس والأنبياء) قال مثلها تماما كونفوشيوس المذكور، وأرسطو
أيضا في منتصف القرن الرابع قبل المسيح وغيرهما كثيرون (راجع كتاب لغز
العالم، تأليف إرنست هيكل ص124) وجاء في سفر (طوبيت) من أسفار اليهود
غير القانونية قول كاتبه (4: 16) : ما لا تحب أن يفعله بك أحد لا تفعله بغيرك،
وفي التلمود قول هيلل Hillel: (ما لا تحبه لا تفعله بقريبك، فإن هذا هو التعليم
كله) . فإن قيل: إن هذه العبارات اليهودية بصيغة سلبية، وهي لا شك أقل فضيلة
من عبارة المسيح السابقة الواردة بطريقة إيجابية، قلت: إن عبارة المسيح هذه
كانت أيضا بطريقة سلبية في نسخ الأناجيل القديمة، ولكن النصارى حرفوها فيما
بعد لتكون أكمل وأتم (راجع كتاب شهود تاريخ يسوع ص267) .
وجاء في سفر اللاويين (19: 34) الأمر بمحبة الغريب النازل وسط
اليهود كمحبة النفس، وفي سفر الخروج (23: 4 و5) ورد الأمر بمساعدة
العدو (راجع أيضا أمثال 24: 17 و25: 21 و22 وأيوب 31: 29) وغير
ذلك كثير، وفي التلمود قوله: أحب من عاقبك، وقوله: (خير لك أن يسيئك
غيرك من أن تسيء) وقوله: (الأفضل أن تكون من المضطهدين - بالفتح - لا من
المضطهدين) .
أما قول المسيح (مت 5: 44) : (باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى [5] مبغضيكم)
فلا وجود له مطلقا في أقدم نسخ الأناجيل، كما ذكره العلامة آرثر دروز في كتابه
عن (شهود تاريخ يسوع) ص 269 وإذا فهو من مخترعاتهم، على أن قول عيسى:
(أحبوا أعداءكم) ليس بأحكم مما نقلناه هنا عن كتب اليهود؛ لأنه تكليف بما لا
تطيقه النفس البشرية، فهو من الغلو الذي لا يمكن لأحد العمل به مطلقا؛ لأن قلب
الإنسان لا يمكن إرغامه على مثل ذلك. وهل من العدل والعقل أن يساوي الإنسان
بين الصديق والعدو فيضعهما في قلبه وينزلهما منزلة واحدة؟ وهل لا يحمل هذا
بعض الخبثاء الأشرار على الاسترسال في الأذى وعدم الكف عن الطغيان؟ ولماذا
لا يفعل أحد من النصارى بهذه الأوامر، ولا دولة من دولهم؟
وهنا نسأل المبشرين: هل أولئك الشارعون الفضلاء، أمثال حمورابي ملك
بابل وكونفوشيوس حكيم الصين ممن ذكرنا، وصلوا إلى ما وصلوا إليه بالعقل
أم بالوحي؟ فإن كانوا وصلوا إليه بالعقل لكانوا إذا أعقل وأرقى من موسى
وعيسى اللذين ما وصلا إليه إلا بعون الله ووحيه كما يقول المليون؛ وخصوصا لأن
شريعة حمورابي أكمل مما في هذه التوراة باعتراف القس روس Rouse
الإنكليزي وغيره في كتابه في النقد ص64، وإذا كان من مبطلات وحي القرآن
عندهم وجود أشياء فيه موجودة عند الأمم الأخرى، فلم لا يبطل ذلك أيضا وحي
التوراة والإنجيل؟ ولم خص الله بني إسرائيل كما يزعمون بالوحي والنبوة وهم
من أقل الأمم عقلا ومن أكثرهم ميلا للضلال والكفر حتى إنهم كثيرا ما ارتدوا هم
وبعض أنبيائهم وعبدوا الأصنام مع كثرة المعجزات فيهم وتعدد الأنبياء بينهم لدرجة