تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وغيرهم من الأوربيين بأنه لا يوجد في المملكة أحد غير هؤلاء الفتيان من الترك

يتجرأ على كسر القيود الدينية التي تقيدت بها الدولة العثمانية ويطلب إعانة أوربة

لهم على ذلك.

وجملة القول أن الحكومة الاتحادية قد أضاعت بجهلها وغرورها وخبث

طويتها جميع الممالك العثمانية الأوربية والأفريقية، وهي تساوم أوربة على بيع

منافع الممالك الآسيوية، وكل هذا من فساد الحكومة المركزية التي تجعل أمر الأمم

والممالك في يد واحد أو آحاد، إذا فسدوا أفسدوا وأهلكوا الجميع، ولو كان للأمة

صوت مسموع في مصالحها كالصوت الذي نسمعه الآن من حزب اللامركزية

وطلاب الإصلاح لما أمكن لهؤلاء وأمثالهم إضاعة الدولة. وهذا الصوت على كونه

قد تأخر عن وقته لا بد أن تكون له فائدة ما، وأقلها أن تحسب أوربة له حسابا فيما

ستقرره في كيفية إدارة هذه الدولة؛ إذ فوضت الحكومة الاتحادية إليها أمر المملكة،

بل ظهرت فوائد ذلك قبل تمام ظهوره، فبدأت الوزارة الاتحادية تستميل العرب

بعض الاستمالة، ولولا أنها وجدت بهم بعض المنافقين يهونون عليها أمر طلاب

الإصلاح لما تلبثت في قبوله إلا قليلا.

فإذا كان هذا السعي مفيدا مع كون أمر الدولة في أيدي الاتحاديين أعداء

العرب والإسلام، فكيف يكون نفعه إذا عجل الله انتقامه منهم ودالت الدولة

للائتلافيين [*] والصباحيين دونهم؟ يومئذ يكون العرب شركاء الترك لا عبيدهم

في هذه الدولة، فلا يكون أحدهما مظلوما مع الآخر فيمقته ويخذله، ويقوم بناء

إدارة المملكة على قواعد اللامركزية الثابتة، يومئذ يعض المنافقون على أيديهم

يقولون: يا ليتنا اتخذنا مع حزب المصلحين سبيلا، وخفضنا في إسرافنا في

التملق للاتحاديين المفسدين ولو قليلا.

وجملة القول أنه قد ثبت قطعا أن الدولة لا تستطيع حماية بلادها من الدول

الكبرى إن أردن اقتسامها، وأن أمر اقتسامها منوط باتفاق الدول بينهن لا بطلب

الأمة للإصلاح وعدمه، وأنه إذا لم يصلح أمر الأمة ويظهر استقلالها بشئونها

الإدارية والاقتصادية، فإن بلادها ستكون غنيمة باردة للأوربيين، سواء احتلوها

بالجند أم لا، وأنها لن تصلح ما دام أمرها كله بأيدي من يتغلب على السلطة في

عاصمتها ولو بالثورة وسفك الدماء، فنسأل الله أن يأخذ بأيدي المصلحين ويكفيهم

شر المستبدين والطامعين، آمين.

-----------------

<span class="footnote">

(*) يظن كثير من الناس أن وزارتي مختار باشا وكامل باشا كانتا ائتلافيتين، وهذا خطأ، وقد سمعنا من صادق بك رئيس الائتلافيين أنهم لما أسقطوا وزارة سعيد باشا رأوا أن يثبتوا للأمة أنهم يعملون لها لا لأنفسهم فسلموا الوزارة لأشهر رجال الدولة وكان يجب أن يشاركوهم فيها.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٩٦