(6) حاشية: لا حظ أن هذا الكلام وما يأتي مبني على فرض صحة نسبة هذه الكتب إلى من نسبت إليهم كما فرضنا ذلك في مقالة الصلب ولكن بعض علماء النقد في أوربا يرى الآن أن جل هذه الكتب أو كلها منسوب إلى هؤلاء الناس كذبا كصاحب كتاب (مصادر النصرانية) المستر توماس ويتاكر وغيره عديدون من محققي الإفرنج.
(7) قال الأبيونيون (أي الفقراء) وجمهورهم عبرانيون وكانوا هم النصارى الحقيقيين في القرن الأول والثاني (كما قال رينان وغيره) ، قالوا: إن بولس هذا لم يكن يهوديا وكذبوه في هذه الدعوى التي ادعاها عند من لم يعرفه في رسائله لهم وقالوا: إنه دخل في اليهودية لكي يتزوج ببنت رئيس الكهنة واختتن فلما أبى رئيس الكهنة أن يزوجه ابنته دخل في المسيحية وادعى أنه رسول المسيح إلى النصارى، فلم يحب أن يرى في النصرانية أثرا من آثار الديانة الموسوية؛ ولذلك سعى جهده في إخراج المسيحيين عن الناموس وحنق على كل من قاومه - راجع رسالته إلى أهل غلاطية - وأبطل جميع شرائع موسى وتبعته الأمم الداخلون حديثا في المسيحية في ذلك؛ لأن ذلك كان أسهل بكثير من عبء الناموس (انظر كتاب دين الخوارق صفحة 748) وبقي تلاميذ المسيح والنصارى الأولون محافظين على تعاليم موسى وعيسى، ولذلك قال يوحنا في رؤياه (2: 2) : وقد جربت القائلين أنهم رسل وليسوا رسلا فوجدتهم كاذبين 9 - وتجديف القائلين إنهم يهود وليسوا يهودا بل هم مجمع الشيطان 14 إن عندك هناك قوما متمسكين بتعليم بلعام الذي كان يعلم بالآبق أن يلقي معترة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا والمراد بالزنا هنا عدم مراعاة البوليسيين أحكام الشريعة الموسوية في مسائلهم الزوجية وعدم اعتدادهم بها، والظاهر أيضا أن كاتب رسالة يعقوب كان من اليهود المتنصرين أو بعبارة: أخرى كان من هؤلاء الأبيونيين، ولذلك خالف في رسالته هذه (ص2) بولس في دعواه الخلاص بالإيمان وحده (انظر مثلا رومية ص3 و4) ، (وغلاطية 2: 16 و21 و3: 2- 29) وبين صاحب رسالة يعقوب أن العمل الصالح لا بد منه مع الإيمان (انظر 2: 14 - 26) ولم يذكر في هذه الرسالة شيء من عقائد النصرانية المعروفة، وكون هذا الكاتب من الأبيونيين الفقراء يظهر من عدة مواضع من رسالته هذه، مثل (1: 10 و11 و2: 2 - 7 و5: 1-6) والراجح أن الكنيسة لم تقبلها، كسفر الرؤيا، إلا بعد بولس بمدة، وربما كان قبولها للرغبة في ضم أصحابها إليهم.
(8) راجع (كتاب دين الله) ص 15 - 28 لتعرف الجواب عن هذا السؤال.
(9) إنجيل متى هو عند النصارى أقدم أناجيلهم الأربعة وليس فيه غير هذا الخبر عن رؤية المسيح بعد الموت كما قلنا في المتن أما إنجيل مرقس فلم يذكر فيه أي خبر عن ظهور المسيح بالفعل لتلاميذه ورؤيتهم له بعد قيامته، وما فيه من ذلك (16: 9-20) إنما هو - كما قلنا باعتراف علمائهم الآن -زيادة ألحقها به رجل مجهول في بعض القرون الأولى، فهي لا قيمة لها بالمرة من الوجهة
التاريخية، ومن زاد هذه لا يبعد عليه أن يزيد غيرها في الأناجيل الأخرى كعبارة متى المتقدمة، وأما إنجيل لوقا ويوحنا فهما متأخران وما فيهما في هذه المسألة إنما هي أقاصيص راجت بين النصارى في القرون الأولى، وهي لا شك مختلقة بدليل أنها لو كانت موجودة في زمن الكاتب للإنجيل الأول أو الثاني لما تركاها بالمرة مع أنها في غاية الأهمية عند النصارى، بل لا يوجد عندهم أهم ولا أعظم منها لإثبات دعواهم قيامة المسيح من الموت على ما فيها من التناقض والتضارب الذي بيناه مرارا ونحن وغيرنا من علماء الإفرنج المحققين، فليس عندنا إذا سوى رواية واحدة قديمة تستحق أن ينظر فيها بشيء من العناية، وهي رواية إنجيل متى، فنقول: إن كانت هذه الرواية ليست مما أضافوه إلى الأناجيل وصادقة، فالذي يفهم منها أن ظهور المسيح لم يكن جليا ولا واضحا، ولذلك لم تقتنع به نفس تلاميذه، فيجوز أن الذي رأوه كان برقا أو خيالا في الأفق كالذي ينشأ مثلا عن انكسار أشعة النور في تلك الجبال لم يسهل عليهم الوصول إلى مكانه، وكان الرجل قد غاب عن أعينهم فلم يعثروا عليه، ولذا لم يتحققوا إن كان هو المسيح أو غيره، ولذلك أظهر بعضهم شكه فيه، ومن العجيب أن متى مع ذكره ذلك وحده لم يبين لنا صريحا إن كان التلاميذ الشاكون زال عنهم هذا الشك حينما قرب منهم - كما قال - الشخص الذي نظروه على بعد أم بقوا شاكين بعد ذلك طول حياتهم مصرين على عدم التصديق؟ وما كان موقفه بالنسبة إليهم، وهل كان واقفا على الأرض أم معلقا في الهواء؟ وهل أمره لهم بتعميد جميع الأمم (28: 19) سمعه جميع الحاضرين أم بعضهم فقط؟ وهل تكلموا معه في غير هذه المسألة؟ وماذا كان موضوع كلامهم الآخر؟ وهل كان صوته عين صوت المسيح الذي يعرفونه وألفاظه مفهومة أو مبهمة؟ وهل سجد الشاكون معهم أم لا؟ إلى غير ذلك من المسائل التي كان يجب على الكاتب تفصيلها حتى لا تبقى النفوس متعطشة للوقوف على الحقيقة، شاكة حائرة في أعظم عقائد دينهم؛ فالظاهر أن الكاتب تجنب مثل هذه التفاصيل لأنه كان قريب العهد بتابعي الحواريين، وربما أنه خاف أن يكذبه أحد، فهو لم يكن عنده من المهارة والجراءة والمعرفة بطباع الناس ما عند غيره وأما الأناجيل الأخرى فلم تخش أحدا؛ لأن زمنها أبعد عن الوقت الذي قيل أن هذه الحوادث حدثت فيه، ولمعرفة كاتبيها بطباع أهل زمنهم أكثر من غيرهم، فقالت ما قالت، فيرى من ذلك أن أقدم رواية عندهم يحوم حولها شيء كثير من الشك، هذا إذا سلم أنها صحيحة صادقة، وأما إذا كانت مخترعة فقول الكاتب فيها (مت 28: 17) (ولكن بعضهم شكوا) ، يريد به - كعادة المزورين الخادعين - أن يظهر للناس أنه فيما قصه عليهم خال من كل غرض ويقول الحق ولو على نفسه، فهي طريقة من طرق حسن السبك معتادة بين القصاصين الأفاكين لإحكام تلفيقهم؛ وإن كان كاتبنا هذا قد فاتته بعض أشياء لازمة لإتمام حسن السبك لبساطته وجهله، وأيضا فإنه يريد أن يظهر أن التلاميذ لم يكونوا سريعي التصديق ولا ميالين لاعتقاد هذه المسائل بسهولة، بل كانوا مدققين نقادين حتى لم يبالوا بالشك في هذه المسألة، ولا بإظهار شكهم لإخوانهم الذين يريد الكاتب أن يصورهم بأنهم كانوا أحرار سمحاء في معتقدهم يتحملون خصومهم بكل أناة وعقل ويقنعونهم بالحسنى والدليل، فمن اقتنع منهم بشيء فهو لم يقتنع به - كما يريد الكاتب أن يقول - إلا بعد التثبت والتحقق منه بالبحث والفحص، فهذه القصة هي كقصة شك توما واقتناعه بعد ذلك المذكورة في إنجيل يوحنا (20: 24 - 29) فإن المراد بهما في الحقيقة المغالاة في بيان تدقيق التلاميذ بطريقة خفية وحيلة تافهة معتادة لا تدخل على البسطاء المغفلين، ولذلك ترى المبشرين الآن وفي كل زمان يتخذون مثل هذه العبارة دليلا على أن كتبة الأناجيل كانوا مؤرخين صادقين لأنهم ذكروا هذه المسائل التي تدل على شك الحواريين وهي، - كما يتوهم هؤلاء الناس أو يزعمون -، لا تصدر إلا من المجردين عن الأغراض والأهواء الصادقين من المؤرخين. ... ...