تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صارت ممالك قوية بعد استقلالها، هل كانت هذه الولايات الزائلة وأمثالها مما

أخذته روسية والنمسة تدار على قطب اللامركزية، أم كانت - ما عدا طرابلس - أشد

الولايات اتصالا بالمركز ومعهدا ومقرا لكل ما فيه من القوة؟ فإذا كانت الحكومة

المركزية الشديدة لم تمنع أقرب الولايات إلى المركز العام وأشدها اتصالا به من

استيلاء أضعف الأجانب عليها، فكيف تقدر أن تمنع الولايات البعيدة عن المركز

كالعراق وسورية أن تستولي عليها الدول الكبرى كإنكلترة وفرنسة؟ .

كان يمكنني أن أكتفي بهذا، ولكنني أفرض أن الدولة - أعزها الله وأصلحها -

يمكنها أن تحمي سورية من فرنسة والعراق من إنكلترة بأساطيلها وجيوشها البرية

التي تتدفق من المركز العام في طرف المملكة الأقصى، أفرض هذا فأقول: ما الذي

يمنعها من هذه الحماية إذا كانت إدارة البلاد بأيدي أهلها وهم عثمانيون تابعون لها

على كل حال؟ ، وما يطلبونه من اللامركزية الإدارية لا يخرج قوة البلاد العسكرية

من سلطة المركز العام، ولا يبيح للولايات أن تعقد مع الأجانب معاهدات سياسية،

ولا أن تعطيهم شيئا من الامتيازات التي تنافي مصلحة المركز السياسية أو الحربية.

كما كانت عليه تونس ومصر بالفعل قبل حماية فرنسة للأولى واحتلال إنكلترة

للثانية، على أن حكومة الآستانة المركزية لو كانت ذات قوة حربية وسياسية لما

حل بهذين القطرين ما حل بهما، فهذه إنكلترة لم تحتل مصر إلا بعد أن طالبت

حكومة الباب العالي بإرسال جيش عثماني لقمع الثورة العرابية فلم تفعل بل أذنت

لها بأن ترسل الجيش الإنكليزي للقيام بذلك وأصدرت إرادة سلطانية بناء على طلب

إنكلترة بعصيان عرابي ومن معه للخليفة أو لدولة الخلافة بقيامهم على الخديو

وقتالهم لإنكلترة.

فلو أن طلاب اللامركزية طلبوا الاستقلال الإداري والسياسي والعسكري لكان

اعتراض أولئك المعترضين موضع النظر والبحث، ولكنهم لم يطلبوا ذلك كله،

وإنما طلبوا القسم الإداري منه المتعلق بالمصالح الداخلية المحضة كالإدارة والقضاء

والتعليم والزراعة والصناعة، ولا يقصد من هذا إلا عمران الولايات وترقي أهلها

بحيث تكون كل ولاية عضوا قويا في بنية الدولة.

التاجر: إن للمعترضين اعتراضا أقوى من الاعتراض الأول، وهو أن أهل

الولايات يغلب عليهم الجهل وفساد الأخلاق والعجز عن القيام بأعمال الحكومة؛

لأنهم لم يتمرنوا عليها، وإنما المتمرن على ذلك والمستعد له هم إخواننا الترك.

وقد سمعت قولك في ضعف الترك وجهلهم، فما قولك في غيرهم من العثمانيين

ونسبتهم إليهم؟

الأستاذ: إنني لا أجهل ما عليه أهل بلادنا العربية من الجهل وضعف

الأخلاق ولا أنكر ذلك، وأنا أعلمه وأعلم أن سببه الأكبر ما كان من سوء إدارة

حكومتهم المركزية واستبداد رجالها وظلمهم، ولكنني أقول: إن إخوانهم الترك

ليسوا خيرا منهم في شيء قط، لأنهم ليسوا أزكى فطرة ولا أذكى قريحة ولا أفضل

وراثة لسلف صالح، ولا كان الاستبداد الذي يفسد البشر أخف وطأة عليهم، بل

ربما كان أشد؛ لأن نفوذ الحكومة الاستبدادية كان عاما فيهم شاملا لهم، ولم يعم

البلاد العربية كلها، فلا يزال فيها ملايين عجز الظلم عن التسلق إليهم، وتضاءل

الاستبداد أن ينال منهم، ومن دونهم ملايين آخرون (أهل اليمن) وقفوا في وجوه

جيشه وقفة القرن للقرن، وكانت الحرب بينهما سجالا مدة أربعة قرون.

ثم إن للتاريخ سريانه فيها قريب، وهو في الولايات التركية أصيل قديم.

نعم إن العاصمة البزنطية التي كانت تكتفي في الأجيال الخالية بأن يكون لها

في كل قطر رجل أو رجلان لتمثيل قوتها وعظمتها، وجباية المال لها - قد وسعت

نفوذها في عهد السلطان عبد المجيد بعض التوسع ولم تستطع أن تبث رجالها في

كل مدينة من مدن البلاد إلا في عهد نيرونها عبد الحميد خان، الذي يلعنه أهلها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٦٥