تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجود الأكفاء لإدارة الحكومة في البلاد، فكيف يكون حال هؤلاء الموظفين الذين

يقل فيهم الكفؤ مع المستشارين الذين بأيديهم أمر رزقهم؛ وهم يذلون الآن لرؤسائهم

من الترك؛ خوفا من العزل الذي لا يقطع الأمل من العودة إلى الوظيفة، أو نيل

خير منها، فكيف يكون ذلهم لمن إذا عزلوهم يحرمون بعزلهم من خدمة حكومتهم

طول حياتهم؟

(5) أغرب كل ما في هذه اللائحة على الإطلاق أنها بعد أن جعلت أمر

عزل الوطنيين في أيدي الأجانب ناطت بهم عزل أنفسهم أيضا، كأن واضعيها

يحسبون أنهم سيجدون في أوربة من المستشارين والمفتشين، من يجري على سنة

الخلفاء الراشدين، ونسوا أنه لا يعرف في أوربة كلها رجل سياسي رفع صوته

بالرضاء بإلغاء امتياز الأوربي على الشرقي في الحقوق والعقوبات، بل المعروف

عن الكثيرين منهم أنهم لا يرون أمة من أمم الشرق توازي صعلوكا أوربيا، والذي

يزيد هذا الأمر غرابة أن هؤلاء المستشارين الذين يعدون في تكافلهم واتحادهم في

الشرق، كأنهم رجل واحد قد جعلت اللائحة أمر مذنبهم مفوضا إلى آرائهم وأهوائهم

لا إلى قانون يوجب عليهم الحكم بمواد معينة في كل ذنب، على حين أنهم إذا قيدوا

بقانون ونيط أمرهم بمجلس تأديب وطني أو مختلط لا تسهل معاقبتهم بما يوجبه ذلك

القانون. (هذا وما فكيف لو) .

* * *

اقترحت اللائحة في المادة السابعة أن تعين الحكومة المركزية المستشارين من

الأجانب للشرطة (الجندرمه) والمالية والبوسطة والتلغراف والجمرك في مركز

الولاية ومفتشا عاما منهم لكل لواء، وأن يعين المجلس العمومي من الدول التي

ترضاها الحكومة المركزية مستشارين للمجلس العمومي والعدلية والنافعة والمعارف

والبلدية والبوليس؛ ولكنها لم تبين أعمالهم ووظائفهم في هذه المصالح، وإنما بينت

في المادة الثالثة عشرة فنذكرها واحدة واحدة في سلسلة انتقادنا هذا وهي أربعة.

(6) أول وظائف هذا المجلس تفسير مواد النظام الذي تضعه الحكومة

المركزية على أن يكون دستورا لحكومة الولاية ومجلسها العمومي، ولست أرى

لإعطاء المستشارين هذا الحق وجها إلا أنه حكم بين الولاية والعاصمة وإلا فمجلس

إدارة الولاية أجدر من المستشارين بفهم هذه القوانين، ولعل حكومة العاصمة ترى

حكمه أقرب إلى مصلحتها إذا كان مؤلفا من الأعضاء المنتخبين ورؤساء المصالح

الذين يعين بعضهم من قبلها، وبعضهم من قبل الولاية، على أن إعطاءهم حق هذا

التفسير مطلق عام؛ ولهم بذلك مجال واسع للحكم بالرأي والهوى.

(7) الوظيفة الثانية لهذا المجلس تفسير القرارات والأنظمة التي يضعها

المجلس العمومي، ولست أرى لهذه الوظيفة وجها ألبتة، فإذا اشتبه الوالي أو غيره

فيما يضعه المجلس فينبغي أن يراجع المجلس فيه؛ لأنه أعلم بما يضع، ويترتب

على إعطاء المستشارين هذا الحق: وجوب نقل كل ما يضعه المجلس بلغة البلاد

إلى اللغة الفرنسية؛ لأنها ستكون هي اللغة التي يعرفها جميع المستشارين حتما،

وقد يكون هذا من مقدمات احتلال فرنسة للبلاد.

(8) الوظيفة الثالثة له النظر والحكم في وجوب عزل الموظف أو عدمه،

وقد أشرنا إلى انتقاده من قبل ونقول هنا: إن الواجب المتعين أن يكون لكل مصلحة

مجلس تأديب يتألف من رئيسها وبعض كبار الموظفين فيها، ويجوز أن يكون

مستشارها عضوا فيه.

(9) الوظيفة الرابعة: له النظر والحكم بناء على طلب الوالي أو أحد

المستشارين في كل خلاف يقع بين أحد المستشارين والمجلس العمومي أو إحدى

لجانه أو أي دائرة مصلحة كانت، ويكون حكمه مبرما، وقد انتقدنا مثل هذه الوظيفة

من قبل؛ ونريد هنا انتقاد جعل حكمه مبرما انتقادا شديدا مؤكدا، فإن هذا الحكم

المبرم الذي لا يقبل النقض ولا المعارضة، ولا يجوز فيه الاستئناف لا يصح أن

يعطى إلا للمعصوم من الخطأ والمنزه عن الهوى، ولا يعقل أحد وجه الحاجة إليه،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٥٢