تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحربية لا للدفاع وحماية الثغور كما هو اللازم لمن يتولى إمارة المسلمين بل

للأغراض الفانية، وبيع البلاد للمصلحة الشخصية، فمن ينع الإسلام فلينعه من

الترك، ومن يندب الدين فليندبه مما لهم من اختلاق الإفك، فلما خاطبناهم في

النزول معنا ليبقوا مع العساكر العربية جنبا بجنب حتى إذا احتلت الحديدة يكون

موقع المفرزة الميدية بأيدي المسلمين يؤدون فيه ما أوجب الله عليهم، وإن امتنعوا

فلا إلزام. وإن أرادوا اللحاق بكبرائهم فلهم ذلك، فأبوا هذا وهذا، ولا يحيق المكر

السييء إلا بأهله.

والعجب من هؤلاء الناس يذكرون أننا السبب في تركهم للمدافعة كما روى

عنهم السادة الواصلون! فليت شعري من أي وجه؟ وأي قرب بيننا وبينهم في المسافة

أن يقولوا نخشى أن نصلى بنارين؛ إذ في الأقل بيننا وبين الحديدة ثمانية أيام؛ ولو

سلم هذا فما يكون جوابهم في احتلال الطليان لطرابلس؟ وما المانع من المدافعة

هناك مع أن أهل تلك الجهة من المخلصين للحكومة بل هم قائمون بالقتال للمحتلين

من الآن، ومن العجاب أن الحكومة قبل أن يحتل المحتلون رفعت الأسلحة والوالي

والعسكر إلا شيئا قليلا، وبعد ذلك لم تمد المجاهدين ولا بدرهم أو نفر.

وفي عهدي أنا عرفناكم سابقا أن في صبح ليلة خروج الأتراك من جازان وفي

اليوم الذي بعده جاءت بوسطة بطريق البحر فوقعت بيد المجاهدين، فإذا بعض

رسائلها يحتوي ترجمتها على إعلان حرب إيطاليا لهم وأنه يلزم مآميرهم هنا العناية

برعايا الإيطاليين وحفظهم، فتعجبنا من حسن معاملتهم، هذا لمن ناوأوهم بالعداء

الأكبر، وإذا حصل منا معاشر المسلمين أدنى شيء معهم قامت القيامة. وبينما نحن

في هذا الموضوع إذ ورد منكم كتاب كريم، فتلقيناه بالترحيب والتكريم، وسنوفي

كل بحث مما أشرتم إليه حقه، إن شاء الله.

فأما ما أشرتم إليه من قولكم: والدولة العثمانية، وإن كان أمراؤها كما عرفتم

فإنه عند الشدائد تذهب الأحقاد - إلى أن قلتم: أما ما كان سابقا مما ذكرتم من

تباعد العثمانية عن الصلاح فإنه لا يغرنا الآن الإنصاف.

وقد أنصف الغارات من راماها. فلا يخفاكم أي حقد عندنا! ولما جاءني

كتاب سليمان باشا يجنح إلى السلم في وقت قيام الطليان وافقت، وأجبت بما

صدرت إليكم صورته، وأرسلت من أخصاء إخواننا من يقوم بحل هذه المشاكل كما

قد أشرنا لكم في أول الجواب، ولم نلتفت إلى ما سبق منهم من الإيعاد بأنواع

المهالك حتى بشق بطون الحوامل، فلما جاء جواب سليمان لذلك الأخ يعني مندوبه

بالتهديد وإعداد الطوابير للتربية تعجبنا من ذلك، وما زلنا نتوقف عن عمل أي

حركة رجاء أن يهتدوا إلى الصواب، فما كان بعد ذلك إلا مرور محمد علي باشا

في شهر ذي الحجة يحرق بيوت السادات والعلماء وأفاضل الناس، كما قد ذكرنا

لكم أول الكتاب.

فيا ليت شعري ما نصنع بعد هذا؟ وهل فيه إنصاف أعظم من هذا الإنصاف

حتى من كان لنا بالأمس عدوا لدودا أصبحنا نتقرب إليه بالمودة لا لشيء بل كان

حبا للصلاح مزيدا، وهل من العقل بعد ذلك لنا أن نرمي بأنفسنا إليه ولو على

المهالك؟ وهل هذا من الدين؟ كلا، وأصدق القائلين يقول: {ولا تهنوا ولا

تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: 139) .

ثم إن ما أشرتم إليه هو لم يزد عن كونه من قبلكم، ولم ندر ما هم عليه؛ إذ

لم يرد من كبرائهم وأعيانهم من تحسن المخاطبة معه في ذلك وفي كيفية مواصلة

الخطاب إلى الآستانة؛ لأن ولاية اليمن صارت الآن منقطعة عن الولاية العثمانية

للحيلولة بالقوة الإيطالية.

وأما ما أشرتم إليه أن لو اقترن ما بيننا وبينهم بصلح ما بينكم وبينهم. فاعلم

أيها الإمام أني عندما أتلو ذلك، أجد خاطري ينكسر مما هنالك؛ لأنه حين أرادوا

أن يغتنموا الفرصة في، وإن كنتم - جزاكم الله خيرا - كررتم التوسط في الصلح

لكن لا على طريق الشرطية؛ بخلاف الآن لما كان الصلح لمصلحتهم أوفق فآثرتموهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٤٨