تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(6) من المضحكات المخجلات المتعلقة بمسألة ركوب الحمار هذه ما يأتي: قال زكريا في كتابه (9: 9 و10) ابتهجي يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هو ذا ملكك يأتي إليك وهو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان وأقطع المركبة من أفرايم، والفرس من أورشليم، وتقطع قوس الحرب، ويتكلم بالسلام للأمم، وسلطانه من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض) إلخ، وعدم انطباق هذه النبوة على المسيح ظاهر؛ فإنه لم يكن ملكا لأورشليم ولا هو منصور ولم يمتد ملكه من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض، ومنذ وجوده إلى الآن استعرت نيران الحروب ولم تقطع قوس الحرب، وتشتت اليهود بعده بقليل وخربت أورشليم ولم يتكلم بالسلام بل قال (مت 10: 34) (ما جئت لألقي سلاما بل سيفا) وعقب دخوله أورشليم أخذه اليهود وأهانوه وصلبوه وقتلوه كما زعموا، فكيف تنطبق هذه النبوة عليه؟ ولكن أبي الإنجيليون الأربعة إلا تطبيقها عليه؛ لأنهم إن لم يفعلوا ذلك لما انطبقت على أحد مطلقا؛ لأنه على زعمهم بعد عيسى مباشرة لم يبق إلا مجيء القيامة في عصرهم!! فانظر الآن كيف طبقوها عليه: قول زكريا وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان) مفهومه أن الحمار هو عين الجحش ابن الأتان على طريق البدل المطابق، وكذلك فهم مرقس ولوقا ويوحنا (مر 11: 7 ولو 19: 35 ويو 12: 15) ولكن متى فهم أن الحمار غير الجحش ابن الأتان فقال (21: 2) أن المسيح قال لاثنين من تلاميذه:

(اذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت تجدان أتانا مربوطة وجحشا معها فحلاهما وائتياني بهما؛ وإن قال لكما أحد شيئا فقولا الرب محتاج إليهما!! فللوقت يرسلهما) ثم ذكر متى هنا عبارة زكريا السابقة، فذهب التلميذان وفعلا كما أمرهما يسوع وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما وفي بعض النسخ (أجلسوه عليهما) ولا ندري كيف جلس يسوع أو جلس على الأتان والجحش معا!! وما الحكمة في ذلك؟ وكيف لم يخف أن يقع من فوقهما مع أن ركوب واحد منهما سهل وهو المعتاد؟ ولكن عدم فهم كاتب إنجيل متى أوقعه في هذا الهذيان، ولم يبال بمخالفة العقل والعادة في سبيل تطبيق هذه النبوة على المسيح كما هي عادتهم فاخترع قصة وجود الأتان والجحش معها وأركب المسيح عليهما معا، وكيف سكت أصحاب الأتان والجحش (مر 11: 5 ولو 19: 33) عن منع التلميذين من حلهما وأخذهما وهم لا يعرفونهما، بل ربما لا يعرفون سيدهما المسيح نفسه؟ وكيف تأكد أنهما رسولاه حقيقة لا لصان؟ وكيف يركب المسيح على جحش لم يجلس عليه أحد من الناس قط، كما قال مرقس ولوقا؟ فلعله فعل ذلك بمعجزة!!!

فمن هذه القصة الصغيرة يتضح لك صدق قولنا مرارا في كتبة الأناجيل أنه يعرفون نبوات العهد القديم أولا ثم يصطنعون منها حوادث للمسيح ويدعون أنها وقعت فعلا تتميما لتلك النبوات القديمة، ولا يبالون مهما أوقعهم ذلك في الغلط ومخالفة العقل والعادة، فهل يصح اعتبار هذه الأناجيل تواريخ صحيحة حرة وهي في كل ما كتب فيها متأثرة بنبوات اليهود عن مسيحهم الذي كانوا ينتظرونه؟ وإذا سلم أن المسيح فعل ما حكاه متى وركب الأتان والجحش معا فما الذي يمنع منكري نبوته من القول بأنه إنما أجهد نفسه وخالف العادة رغبة منه في تطبيق نبوة زكريا عليه لتصح دعواه بأنه هو المسيح المنتظر، وإن لم يقدر على تطبيق باقي النبوة عليه لخروجها عن استطاعته؛ إذ ليس في وسعه أن يكون ملكا ولا منصورا ولا قاطعا لقوس الحروب، ولا له ملك يمتد من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض، فما قدر عليه وهو ركوب الأتان والجحش معا فعله وما لم يقدر عليه سلم الأمر لأتباعه ليقولوا فيه ما شاءوا والسلام.

هذا شيء مما يقوله ملحدوالنصارى في أوربة الآن وغيره كثير جدا جدا لا يحصى ولولا القرآن ومحمد الذي يكرهه النصارى ويحاربونه لقال (300000000) من البشر في المسيح أضعاف أضعاف ما يقوله ملحدو أتباعه واليهود وغيرهم فشكرا لله ولرسوله على أدبه العالي في المسيح الذي أدب به المسلمين، والحمد لله رب العالمين!!! .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٤٣