تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحقق هذه النبوات وأمثالها في القرن الثاني أو الجيل الثاني كما يفهم من مقدمة

إنجيله، فلذا شك في رواية ألفاظها الواردة في أصل الإنجيل الأول والثاني

وحور عباراتها تحويلا يجعلها أصلح للتأويل مما في الإنجيلين الأولين، ولم

يذكر الأقوال الأخرى الواردة في إنجيل متى التي أشرنا إليها هنا (راجع لو

21: 7 و25 - 32) تجد عبارته مخففة في هذا الموضع عن سابقيه ولم

يمنعه اشتهار ألفاظها الواردة في الأناجيل التي قبله وشيوعها بين الناس

واعتقادهم لها من هذا التحوير؛ لجزمه بخطأ روايتها، وإلا لكان المسيح نفسه

هو المخطئ فيها، وهو غير جائز طبعا.

وأما الإنجيل الرابع، فتركها بالمرة وهو مما يدل على شدة تأخر زمنه

وتحقق الناس من عدم صحتها ويأسهم منها يأسا تاما [10] .

ولا يلزم من اشتهار هذه الأفكار والنبوات بين النصارى في القرن الأول

كله والثاني أن غيرها مما في الإنجيل المنسوب لمتى ومرقس كان شهيرا

شهرتها ومعروفا بينهم مثلها. فكاتباهما وإن تحاشيا تحريفها أو تحويرها

لشهرتها، إلا أن ذلك لا يضمن لنا صحة رواية الأشياء الأخرى التي ليست

شهيرة بين الناس شهرة هذه النبوات. وهذا وعدم علم بابياس المتوفى نحو

سنة 164 - 167 ميلادية بهذين الإنجيلين (متى ومرقس) بحالتهما الحالية - كما

بينا - يدل على أنهما لم يكونا بهذه الحالة في زمنه أو لم يشتهرا بها إذ ذاك، بل

كان إنجيل متى عبارة عن بعض أقوال عن المسيح باللغة العبرية وإنجيل

مرقس عبارة عن مجموعة من أخبار المسيح وأقواله باللغة اليونانية إلا أنها

غير مرتبة كما سبق بيانه؛ وربما كان الذي منع التلاميذ من الاعتناء بكتابة

الإنجيل هو توهمهم قرب انتهاء العالم، فإذا صح أن نبوات يوم القيامة كانت

في أصل هذين الإنجيلين فمترجم الأول ومرتب الثاني لم يجسرا على تحويرها

أو تحريفها نظرا لشهرتها بين الناس أو لظنهما أنها ربما تحققت عن قريب ولكن

هذا السبب لم يكن عند كاتب الإنجيل الثالث كافيا لمنعه من إصلاح ما اعتقد

خطأه لتأخر زمنه ويأسه، وخصوصا لأنه كان كثير الاجتهاد والتدقيق كما هو

صريح مقدمته ولم يقصد بكتابة إنجيله أن يكون لجميع الناس بل لشخص

صديق له يسمى ثاوفيلس فلا يهمه إن قبله الناس منه أو لم يقبلوه ما دام مقتنعا

بصحة ما استنتجه وكتبه وصدقه فيه صاحبه.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الدكتور

... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد توفيق صدقي

البقية تأتي

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) هذا إذا صح أن كاتب الإنجيل هو لوقا تلميذ بولس (فل 24) لا واحدا آخر غيره.

(2) حاشية: إذا كان المسيح بمقتضى هذه العبارة لا يعلم متى تقوم الساعة باعترافه هذا، فكيف يكون هو ديان الخلائق يوم القيامة؟ وقوله فيها: إن الابن لا يعلمها، نص على أنه ليس بإله، فإن قيل: لعله يريد الإنسان يسوع، قلت: ولم لم يعبر بذلك ليكون قوله خاليا من اللبس والتضليل؟ وإذا كان أقنوم الابن متحدا بناسوته فكيف لم يعلم الناسوت ما يعلمه اللاهوت، وإلا فما معنى هذا الاتحاد؟ وجاء أيضا في إنجيل يوحنا أن المسيح لما أشار عليه إخوته بالذهاب إلى أورشليم لأجل العيد قال لهم (يو 7: 8) أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد، ولكن لما مضى إخوته إلى العيد مضى هو أيضا بعدهم متخفيا (يو 7: 10) فعبارته هذه لهم إما أنها كذب وغش؛ ولذلك ذهب بعدها متخفيا؛ وإما كان قالها باعتبار الناسوت، (وهو الجواب الذي صدعوا آذاننا به) قلت: وكيف لم يهده اللاهوت المتحد به إلى البت في عمل صغير كهذا وتركه يبدي كل هذا التردد والجهل؟ وما فائدة اللاهوت له

إذا؟ وفي أي شيء أفاد؟ ولم اتحد به الله وهو لم يصلب معه بل تركه، ولذلك قال: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ ولم تعبدون هذا الناسوت العاجز الجاهل مع اللاهوت ولم تفرقوا بينهما؟ فإن قيل: ولماذا ذكر يوحنا هذه القصة وهي منافية لمبدئه في كتابه تاريخ المسيح كما تدعي؟ قلت: لعله لم يدرك ما تؤدي إليه أو ربما أنه كان يستحسن مثل هذا التضليل ويعجب بحيلة المسيح هذه وتخفيه حتى عن أهله، ويرى أن ذلك مهارة منه وسياسة عالية، وما درى أنها كذب مذموم ولا مسوغ له

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٤١