السماوات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقبت بينه من الليل والنهار، فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم، معتبر ومدكر، وآيات وعظات، فمن كان منكم ذا لب وعقل، يعلم أن من نسبني إلى أني فقير وهو غني كاذب مفتر، فإن ذلك كله بيدي أقلبه وأصرفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتم، فكيف ينسب فقر إلى من كان كل ما به عيش ما في السماوات والأرض بيده وإليه؟ أم كيف يكون غنيا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حرمه، فاعتبروا يا أولي الألباب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ وقوله: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا﴾ [آل عمران: 191] من نعت ﴿أولي الألباب﴾ [البقرة: 179] ، و ﴿الذين﴾ [الفاتحة: 7] في موضع خفض ردا على قوله: {لأولي
الألباب} [آل عمران: 190] ومعنى الآية أن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، يعني بذلك: قياما في صلاتهم وقعودا في تشهدهم وفي غير صلاتهم وعلى جنوبهم نياما
كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا﴾ [آل عمران: 191] الآية، قال: «هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن»
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: 191] «وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، PageEndV06P310 فاذكره وأنت على جنبك يسرا من الله وتخفيفا» فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: 191] فعطف ب «على» ، وهي صفة على القيام والقعود وهما اسمان؟ قيل: لأن قوله: ﴿وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: 191] في معنى الاسم، ومعناه: ونياما أو مضطجعين على جنوبهم؛ فحسن عطف ذلك على القيام والقعود لذلك المعنى، كما قيل: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما﴾ [يونس: 12] فعطف بقوله: ﴿أو قاعدا أو قائما﴾ [يونس: 12] على قوله: ﴿لجنبه﴾ [يونس: 12] لأن معنى قوله: لجنبه مضطجعا، فعطف بالقاعد والقائم على معناه، فكذلك ذلك في قوله: ﴿وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: 191] وأما قوله: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا من ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، من هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة