16 ذو الحجة - 1320ه
14 مارس - 1903م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
رأي في إصلاح المسلمين
أو رأيان
كتب إلينا وكيل للمنار في بعض الأقطار رأيه في طريقة إصلاح المسلمين في
خاتمة جواب يتعلق بأمر الاشتراك والمشتركين؛ فأحببنا أن يطلع عليه القراء لما
فيه من دقة النظر، وبعد الغور، قال حياه الله:
(رأيك بالعناية في إصلاح النفوس والعقول والأفكار والأخلاق لا أظن أنه
يوجد من يخالفك فيه على شرط أن تجمع من أيدي الناس كتب التصوف النظري،
وكتب العقائد التي ألفت على طريقة أرسطو (لا كتب أرسطو نفسها) والتفاسير
التي ألبسها أصحابها لباس الفلسفة اليونانية، وكذا الكتب الفقهية التي كتبها الأعاجم
ومن احتذى حذوهم، لا الكتب التي كتبت بطريق الرواية كالموطأ وغيره، وطرح
القواعد التي دونها الأصوليون، وجعلوها من أصول تعاليم الدين، وتحويل تكايا
الطرق إلى مدارس تعلم فيها العلوم الكونية بأسرها، على شرط أن تكون إدارتها
بيد أناسي من علماء أمم أوربية صغيرة كسويسرة والبلجيك ويعزل الشباب
المتعلمون عن الأمة حتى يمتنع سريان عدوى الأخلاق التي أرزأت أمم الإسلام من
الأسلاف إلى الأخلاف، وبعد أن تندرس هذه الرمم التي صارت مع طول الزمن
ركام أقذار مفسد للتمدن؛ يتسنى للمصلحين أن يشيدوا على أنقاضها معاقل
إصلاح.
وهيهات هيهات أن يفوز المصلحون بتلك المطالب العسيرة التي أعيت همما،
وبيضت لمما، وأشفت أمما، ظهر كونفوشيوس قبل عصرنا هذا بإحدى وعشرين
قرنا لمعاناة إصلاح مذهب سكياموني، وتجديد ما تداعى من بنيانه العتيق الذي
كرت عليه الدهور الدهارير، وبالرغم من مساعيه الكبيرة وهمته القعساء، وعزمه
الصارم بقيت آراء سكياموني كما هي محتكرة في الهياكل لكهنة الشعب، ولم يزدها
ذلك المصلح بقارعته العظمى إلا ثباتا وتمكينا، وهذا المسيح قام ليعدل سلطة
أكليروس اليهود وليجدد ما اخلولق من مذهب التوراة فلم يقبل له رأيا إلا من خذله
في أداء الشهادة وقت المحاكمة.
وما عسى أن أقول ونبينا الكريم عليه السلام قد أرسله الله مهيمنا على الكتب،
ومجددا لشرائع الكون التي اقتضت سنة العمران تجديدها بتجدد المقتضيات فلم
يقبل دعواه من أرباب تلك الأديان إلا من نكب عن فئته، وانحاز لغير بيئته، وهكذا
شأن كل مصلح يفلت من أسر العادة وينسلت من قيود المصطلحات، وتؤثر في
نفسه الحقائق، وتشعل بصيرته المشاهدات الصحيحة يستنكر ما يستحسنه الناس
ويستحسن ما استنكروه فيسفه أحلامهم، ويبين أوهامهم، إلى أن يثوبوا إلى رجعة
الهدى، أو يكون نشأ جديدا، ودون ذلك خرط القتاد على فرض سلطة الظروف
المحيطة.
على أن هناك مهيعا آخر أقرب إلى السلامة، وأضمن للنتيجة، وهو سبيل
رجالات أوربا الكبار، ودهاقنها العظام، وبيانه أن يشتغل المصلح بعد ترقية نفسه،
وترتيب منزله، وتنظيم معيشته، وتدبير مأكله، بتنمية ثروته بالطرق القانونية
ويختار له منها الطريق الأضمن على شرط أن يحتذي مذهب الصدق ويتقيل نمط
الأمانة، ولا يعتمد إلا على نفسه فلا يمر عليه غير زمن قليل حتى يكون من أكبر
المثرين في العالم مثل مرجان وسيسل رود وغيرهم، فلا يصعب عليه بعد تكوين
الثروة تأسيس المشروعات، وعقد الشركات وإنشاء المدارس، وفتح المعامل،
وإرسال الفلك تمخر عباب اليم تجمع له كنوز المخلوقات.
وأما طريقة إصلاح الأمم أو النفوس بإلقاء الخطب، وكتابة المقالات، فلا
تفيد المسلمين في شيء، اللهم إلا من كان له هوس منهم فيهما؛ لأن العالم والصانع
والزارع والصراف والتاجر في البلاد المربلة [1] لا يصيخون الأسماع للخطب، ولا
يعيرون الأبصار للمقالات إلا في أوقات الفراغ من الأعمال فهي عندهم بمثابة
المسليات والمنبهات، والذي يصيخ وينظر في بلادنا القاحلة هو المكسال المتقاعس