غرة جمادى الأول - 1320ه
5 أغسطس - 1902م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
(الدرس 36)
محمد رسول الله وخاتم النبيين
الكلام في نبوة خاتم المرسلين لا يتجلى للعقول كمال التجلي إلا بعد بيان
مسألتين تجعلان مقدمة له: إحداهما بيان حاجة البشر إلى رسالته العامة، والثانية بيان
استعداد الناس لها.
***
(المسألة 101) حاجة البشر إلى هداية عامة:
الحاجة إلى بعثة النبي عليه الصلاة والسلام في الجملة تعرف من البحث في
حاجة البشر إلى إرسال الرسل كما تقدم في الدرسين 18، 19 (راجع المنار9
و140) ولا يوجد في أعداء الإسلام المؤمنين بالوحي والنبوة عاقل ينكر أن العرب
كانوا في أشد الحاجة إلى بعثة رسول منهم ينتشلهم من تلك الوثنية، ويخرجهم من
هاتيك الجهالة والهمجية، وأن تأثير هداية محمد فيهم كان مثل تأثير هداية موسى في
بني إسرائيل أو أعظم وأظهر، ولكن الذين ينكرون حاجة الناس كافة إلى هذه
الهداية الإلهية على لسان محمد عليه السلام كثيرون، وإنما حال بينهم وبين معرفة
هذا الحق المبين التقليد الأعمى، فالتقاليد أعدى أعداء الحق في الدين والعلم وفي كل
شيء؛ لأن المقلد ليس له عينان فينظر في الدليل والبرهان، بل ينكر الحسن
والعيان، ويكابر الوجود والوجدان، وإنما نكتب ما نكتب ليزداد الذين آمنوا إيمانا
وليعتبر أصحاب المطلقة العقول المطلقة والأفكار الحرة من غير المؤمنين.
بيان حاجة جميع الأمم إلى الإصلاح المحمدي يتوقف على معرفة تاريخ الأمم
قبل الإسلام لا سيما تاريخ أهل الكتاب الذين يدعون أن في كتبهم ما يغني عن هداية
الإسلام وإصلاحه، ولا يمكن سرد تاريخ الأمم تفصيلا في التمهيد من مسائل العقائد
ولكن في الإجمال مع الإحالة على كتب التاريخ غناء، وقد كتب أستاذنا الإمام نبذة
في ذلك وافية بالمرام في (رسالة التوحيد) التي هي حجة الإسلام في هذا الزمان
وما بعده إلى ما شاء الله، وإننا نقتبسها هنا فانظر هذه البلاغة في الإيجاز التي تكاد
تبلغ به حد الإعجاز، قال حفظه الله:
(ليس من غرضنا في هذه الورقات أن نلم بتاريخ الأمم عامة وتاريخ العرب
خاصة في زمن البعثة المحمدية لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض خاصة في
زمن البعثة المحمدية لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز
عروش الملوك وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم وتخفض من أبصارهم المعقودة بعنان
السماء إلى من دونهم من رعاياهم الضعفاء، وإلى نار تنقض من سماء الحق
على أدم النفس البشرية لتأكل ما اعشوشبت به الأباطيل القاتلة للعقول، وصيحة
فصحى تزعج الغافلين وترجع بالباب الذاهلين، وتنبه المرءوسين إلى أنهم ليسوا
بأبعد عن البشرية من الرؤساء الظالمين، والهداة الضالين، والقادة الغارين ,
وبالجملة تئوب بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الله له [1]
﴿إنا هديناه السبيل﴾ (الإنسان: 3) ليبلغ بسلوكه كماله، ويصل على نهجها
إلى ما أعد في الدارين له، ولكنا نستعير من التاريخ كلمة يفهمها من نظر فيما اتفق
عليه مؤرخو ذلك العهد نظر إمعان وإنصاف.
وكانت دولتا العالم [2] دولة الفرس في الشرق ودولة الرومان في الغرب في
تنازع وتجالد مستمر، دماء بين العالمين مسفوكة، وقوى منهوكة، وأموال هالكة،
وظلم من الإحن حالكة، ومع ذلك فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة
والتفنن في الملاذ بالغة حد ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء والقواد
ورؤساء الأديان من كل أمة وكان شر هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد فزادوا
في الضرائب وبالغوا في فرض الإتاوات حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم وأتوا
على ما في أيديها من ثمرات أعمالها، وانحصر سلطان القوي في اختطاف ما بيد
الضعيف، وفكر العاقل في الاحتيال لسلب الغافل، وتبع ذلك أن استولى على