تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مقدمتنا لكتاب أسرار البلاغة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان﴾ (الرحمن: 1-3) ، فله الحمد

أن علم، والشكر على ما أنعم، ومنه الصلاة والتسليم على نبيه الرؤوف الرحيم،

الذي جاء بتوحيد اللغة والدين، وجعل الكتاب والحكمة في الأميين، فكانوا بذلك

أئمة وكانوا هم الوارثين.

الإنسان يمتاز بالعلم وإنما العلم بالتعلم، والتعلم باللغة. واللغات تتفاضل في

حقيقتها وجوهرها بالبيان، وهو تأدية المعاني التي تقوم بالنفس تامة على وجه يكون

أقرب إلى القبول، وأدعى إلى التأثير، وفي صورتها وأجراس كلمها بعذوبة النطق

وسهولة اللفظ والإلقاء والخفة على السمع.

وإن للغة العربية من هذه المميزات الميزان الراجح، والجواد القارح،

يعرف ذلك من أخذها بحق، وجرى فيها على عرق، فكان من مفرداتها على علم،

وضرب في أساليبها بسهم، ومن آية ذلك لغير العارف أن أولئك الشراذم والأوزاع من

أهلها قد حملوها إلى الأمم، التي كان للغاتها في العلوم قدم، ولم يحملوهم عليها

بالإلزام، ولا بالتعليم العام، وكان من أمرها مع هذا أن نسخت بطبيعتها لغة

المصريين من مصرهم، والرومانيين من شامهم، واستعلت على الفارسية العذبة

في مهدها وموطنها، وامتد شعاعها إلى الأندلس في غربي أوربا بعد ما طاف ساحل

أفريقيا الشمالي وإلى جدار الصين من الشرق - كل ذلك في زمن قريب لم يعرف

في التاريخ مثله للغة أخرى من لغات الفاتحين الذين يتخذون كل الوسائل لنشر لغاتهم

وتعميمها بالتعليم العام وضروب الترغيب والترهيب.

كانت لغة أميين وثنيين جاهليين فظهر فيها أكمل الأديان فكانت له أكمل

مظهر، وتجلى لها العلم فكانت له خير مجلى، وصارت بذلك لغة الدين والشريعة،

وعلوم العقل والطبيعة، ولكن عدت على أهلها عواد كونية، وطرأت عليهم

أمراض اجتماعية، فضعف فيهم كل مقوم من مقومات الأمم الحية، ومن تلك

المقومات الحقيقية اللغة؛ فقد فسدت ملكتها في الألسنة، والتوى طريق تعليمها

في المدارس، حتى كادت تكون من اللغات الدوارس.

ظهر ضعف اللغة في القران الخامس وكانت في ريعان شبابها وأوج عزها

وشرفها، وكان أول مرض ألم بها الوقوف عند ظواهر قوانين النحو ومدلول

الألفاظ المفردة والجمل المركبة والانصراف عن معاني الأساليب، ومغازي

التركيب، وعدم الاحتفال بتصريف القول ومناحيه، وضروب التجوز والكناية فيه،

وهذا ما بعث عزيمة الشيخ عبد القاهر الجرجاني إمام علوم اللغة في عصره إلى

تدوين علم البلاغة ووضع قوانين للمعاني والبيان كما وضعت قوانين النحو عند

ظهور الخطأ في الإعراب، فوضع هذا الكتاب في البيان، ومن فاتحته يتنسم

القارئ أن دولة الألفاظ كانت قد تحكمت في عصره واستبدت على المعاني، وأنه

يحاول بكتابه تأييد المعاني ونصرها، وتعزيز جانبها وشد أسرها.

كتب قبل عبد القاهر في البيان بعض البلغاء مثل: الجاحظ، وابن دريد، وقدامة الكاتب. ولكنهم لم يبلغوا فيما بنوه أن جعلوه فنا مرفوع القواعد، مفتح

الأبواب كما فعل عبد القاهر من بعدهم، فهو واضع علم البلاغة كما صرح به بعض

علمائها وإن لم يذكر له هذه المنقبة المؤرخون الذين رأينا ترجمته في كتبهم حتى إن

ابن خلدون الذي تصدى دون القوم للإلمام بتاريخ الفنون أهمل ذكره، وزعم أن الذي

هذب الفن بعد أولئك الذين كتبوا في مسائل متفرقة منه هو السكاكي، وما كان

السكاكي إلا عيالا على عبد القاهر تلا تلوه وأخذ عنه مع المخالفة في شيء من

الترتيب والتبويب، ولكنه لم يسلم من التكلف في بعض عبارته، والتعقيد في بعض

منازعه، فإذا جاز لنا أن نقول: إنه فاق لتأخره بالترتيب المعلوم، وبما حرره من

الحدود والرسوم، فإننا لا ننسى من فضل المتقدم سلامة عبارته، وصفاء ديباجته،

وغوصه على أسرار الكلام، ووضع دررها في أبدع نظام.

كان السكاكي وسطا بين عبد القاهر الذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٧