تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الدليل على اشتراط الإسلام في القاضي

(س1) رضاء الدين أفندي قاضي القضاة ببلدة (أوفا) في الروسية: إنه

يستفاد من كتب الفقهاء متأخريهم ومتقدميهم اشتراط الإسلام في القاضي الذي يقضي

فيما بينهم ولا سيما في الدعاوي التي تخص العائلات مثل النكاح والطلاق وثبوت

النسب والرضاع؛ بمعنى أن قضاء غير المسلم في هذه الأمور فيما بين المسلمين لا

يصح ولا ينفذ إذا قضى فيه لا ظاهرا ولا باطنا ولكن هل يوجد لهذا الاشتراط دليل

صريح من القرآن الشريف أو السنة المباركة، فنرجو حضرة الأستاذ الإحسان

بالجواب في المنار بحيث يقنع المشتبه المنصف. والفقير يظن وإن لم يتيسر له

الاطلاع إلى دليله القاطع أن القضاء فيما بين أهل الإسلام خصوصا في الدعاوى

التي تتعلق بالزوجية وعدمها وثبوت الأنساب من المناصب الدينية لا يجوز من غير

المسلم أصلا ولو كان عالما حق العلم قواعد الشريعة الإسلامية. كما أن غير المسلم

لا تجوز إمامته في الصلاة وإن كان عارفا أحكامها بأسرها، والعجب من صاحب

(الهداية) مع التزامه ذكر طريق الاستدلال في كل مسألة وابن الهمام في الفتح مع

تبحره في علم السنة وأصول الاستدلال - لم يذكرا في هذه المادة ما يشفي العليل

والله أعلم.

(ج) القضاء ولاية وسلطة مدنية دينية أهم شروطها: العلم بالكتاب والسنة

والقدرة على الاستنباط وكون المستنبط الذي ينفذ حكمه وتجب طاعته مسلما

والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ (النساء: 59) ، وقوله

تعالى في الأمر المتنازع فيه: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه

الذين يستنبطونه منهم} (النساء: 83) ، فقوله (منكم) و (منهم) يعني به

المسلمين. وقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ (النساء: 141) .

فهذه الآيات أدلة واضحة في المقصود وقد استدل بالآية الأخيرة صاحب كتاب

(الأحكام السلطانية) على اشتراط الإسلام في القاضي. ويصح أن يستدل على

ذلك أيضا بمثل قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، فهذا

يشمل جميع أنواع الولاية العامة والخاصة، ومن ثم كان اشتراط الإسلام في

القاضي مجمعا عليه عند المسلمين والأحاديث الواردة في القضاء مبنية على شيء

معروف في الإسلام وهو كون القاضي مسلما، وقد جرى على ذلك الصحابة ومن

بعدهم من المسلمين؛ فقد قلدوا الذميين ضروبا من الأعمال ولكن لم يقلدوهم القضاء

وقد قال الماوردي في (الأحكام السلطانية) بجواز كون وزير التنفيذ ذميا دون

وزير التفويض؛ لأن هذا الثاني يحكم ويولي ويجب أن يكون مجتهدا في الدين.

وإذا نظرنا في المسألة بعين القياس نجد العلة ظاهرة؛ فالقاضي عند المسلمين

هو ولي من لا ولي له في كثير من الأحكام الدينية فهو يزوج المسلمة إذا غاب

الولي أو فقد أو عضل، وهو يطلق على الزوج ويفسخ العقود الزوجية عندما

تقتضي المصلحة ذلك. وأمثال هذه الأحكام خاصة برجال الدين في عرف جميع

الأمم، وتقاليد جميع الملل والنحل، ولعل صاحب الهداية وشارحها لم يريا حاجة

للتوسع في الاستدلال على مسألة إجماعية لا نزاع فيها على أن طريقتهما في

الاستدلال هي كما ذكرتم بالنسبة إلى كتب الحنفية التي نرى أكثرها غفلا من

الاستدلال؛ ولكن لو تعقبهما المحدث الفقيه في السنة لبين تقصيرهما في مواضع

كثيرة جدا ولا أقول في أكثر المواضع.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٦ · الصفحة ٥٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٦ · ص ٥٤٤