<span class="footnote">
أميل القرن التاسع عشر
[*]
الشذرة الخامسة من جريدة أراسم
الخط الديواني
أنشأ (أميل) يخط بالقلم خطا مناسبا لحاله ولكني في شك من جريه على
قواعد الخط في شيء مما يكتب.
كان الخط فيما مضي كأنه من صفات الكاتب الذاتية وكان يدل على حالة
من أحواله، سواء فيه الحسن والقبيح، ولذلك وجد متوسمون يعتقدون أنهم يقرأون
في خط من لا يعرفونه من الناس ضروب استعداده النفسي. ولا بدع في هذا فإن كل
أعمال الإنسان منبعثة عن أخلاقه وسجاياه، فلا شيء من الاستحالة ولا من البعد عن
الحقيقة - على ما أرى - في أن يكون الخط وهو الأثر الدقيق المثبت لصنوف
الوجدان وأنواع المعاني على الورق سمة من سمات النفس وأمارة من أمارات الطبع.
يشهد لذلك أن من الذين خطوطهم بين أيدينا قد غيروا في حياتهم طريقتهم في
صوغ حروفهم عدة مرات، فلا يمكن أن يكون هذا التغيير الذي يحق لنا المراهنة
على حصوله بغير شعور منهم أجنبيا عن بعض استحالات حصلت في عقولهم.
ومن الأمور التي اعتقد الباحثون في هذه المسألة أنهم تنبهوا إليها ولاحظوها أن أقرب
أطوار الكاتب إلى الفطرة هو ذلك الطور الذي يكون فيه خطه مرسوما بأقرب
السمات إليها أيضا.
اخترع الناس في هذه الأيام للخط طرقا لا شك لها مزية في تهذيبه وتقويم يد
الكاتب، ولكنها متى انتشرت وعم استعمالها اتحدت الخطوط وتشابهت فلم يبق بينها
فروق تميز بعضها من بعض، فنحن في هذا القرن قرن السكك الحديدية والأقلام
الحديدية نسارع كلنا إلى تحقيق الوحدة في كل شيء.
لو أن هذا الميل إلى الصناعة اقتصر على أمارات الفكر وقوالب المعاني لكان
الخطب هينا ولكنه لم يقف عندها بل تعداها إلى الفكر نفسه.
أنا على يقين من وفرة علومنا ومعارفنا فليست هي التي تعوزنا؛ إذ قد وجدت
طرق سهلة صيرت مبادئ العلم وآداب اللغة والفنون الجميلة قريبة التناول لجميع
الناس، وكل يوم يتحدث الناس بانتشار العرفان بيننا، وهو أمر أنا بعيد عن المنازعة
في جلالة خطره وعظم شأنه، ولكني لا أرى علي حرجا إن سألت نفس هذه الأسئلة
وهي: هل ارتفع عقل الإنسان في هذه القرون إلى مدارك أسمى مما بلغه في
القرن الثامن عشر؟ هل حصل له من قوة النفس والانبعاث الذاتي إلى العمل
والأخلاق الممتازة التي تتجلى في صورة مجتمعة - المظلمة والأعمال البديعة -
أكثر مما كان له في ذلك القرن؟ هل ارتفعت قوة الإدراك مع انتشار تساوي الناس
فيها كل يوم؟
واأسفى أني ألتفت حولي فيعروني الذهول ويملكني الدهش لما أراه من غلبة
الأوساط في العقل وكثرتهم، وأسمع الناس يرددون القول بأن العقل والاستعداد قد
شاعا في هذه الأيام حتى عما السابلة الغوغاء ولو أنهم قالوا: إن كل واحد أصبح
فيه عقل غيره واستعداده. لكان هذا القول أصح وأقرب إلى الصواب. نعم إن قرننا
قد وصل إلى طريقة بديعة في الإكثار من الدواليب والآلات المحاكية للفكر وقامت
المهارة في الفنون مقام الاستعداد الفطري والعزيمة وأزهق التكلف في آداب اللغة
روح الإلهام وأنزلت الدسيسة والخداع في مجرى الحياة وشئونها الفضل والجدارة عن عرشهما وحلا محلهما، فترانا الآن منحدرين على طريق مستقيم عام
إلى محو ضروب الفصل والرجحان في العقل والخلق محوا تاما، فعليك أيها الإنسان
من الآن أن تقنع بأن تكون كجميع الناس.
ولا شك أن هذه الحالة التي عليها العقول الآن ترجع إلى أسباب كثيرة ليس
من غرضي استقصاؤها هنا، منها نظام معيشتنا وفقدان الحرية السياسية عندنا
واهتمامنا المتزايد بالمصالح المادية، ومنها أمر لا يسعني إغفاله وإلا استحققت اللوم
وهو أن التربية بالحالة التي هي عليها اليوم أقرب إلى ستر عيوب الأطفال وإخفاء
مواضع الضعف فيهم ببعض طرق التعليم السريعة التي تكاد تكون آلة محضة.
أقول: إنها أقرب إلى ذلك منها إلى قصة اكتشاف ملكاتهم وقواهم النفسية وتنميتها،