تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شبهات المسيحيين

وحجج المسلمين

﴿ ... يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ... ﴾ (النساء: 46) .

قد علم قراء المنار أننا لم نفتح هذا الباب للطعن في دين النصارى أو غيره

ابتداء، وإنما فتحناه لرد شبهاتهم التي ربما تشكك الجاهل بالإسلام في الدين مطلقا

فتفسد أخلاقه ويكون مصيبة على نفسه وعلى الناس، ولا غرض لطعن الطاعنين

بالإسلام إلا هذا التشكيك الذي يحل الرابطة الإسلامية ويضعف المسلمين؛ لأنه

يخرجهم عن كونهم أمة فيكونون أفرادا مقطعين، لا جنسية لهم ولا دين، ولو أنهم

كانوا يطمعون في تنصيرهم لكان لهم عندنا بعض العذر، ولكن التجربة أفادت

التاريخ أن الملايين من النصارى صاروا مسلمين ولا يوجد بإزاء كل مليون من

هؤلاء واحد من المسلمين تنصر إلا ما كان من أفراد ليس لهم من الإسلام إلا وراثة

الاسم من آبائهم الأولين.

قيل للسيد جمال الدين الأفغاني الحكيم الشهير - رحمه الله تعالى -: ما سبب

الدعوة إلي مذهب الدهريين في الهند وعدم الاقتصار على الدعوة إلى النصرانية؟

فقال: إن المسلم يستحيل أن يكون نصرانيا؛ لأن الإسلام نصرانية وزيادة فهو

يأمر بالاعتقاد بنبوة عيسى وحقية دعوته ويرفض الخرافات والبدع التي زادتها

الجمعيات النصرانية في دينه، فلما جرب الذين يبتغون حل الرابطة الإسلامية

بالدعوة إلى النصرانية فلم تنجح، عمدوا إلى تشكيكهم في أصل الدين المطلق

بالدعوة إلى الدهرية.

وكذلك رأى مثل صاحب الجامعة أن تشكيك المبشرين بالنصرانية لم ينجح في

المسلمين من الطريق الديني فانبرى لتشكيكهم من الطريق العلمي وبذل جهده

لإقناعهم (1) بأن دينهم كغيره عدو للعقل والعلم و (2) أن أئمتهم في العقائد

(المتكلمين) ينكرون الأسباب و (3) أن جمع السلطة الدينية والسلطة السياسية

المدنية في خليفة الإسلام ضار بالمسلمين وسبب لتأخرهم، ومن رأي صاحب

الجامعة أن المسلمين إذا أرادوا الرقي والنجاح فلا بد لهم من سماع نصيحته وهي:

(1) أن يضعوا دينهم في جانب من العقل والعلم؛ لأنهما قاضيتان بهدمه كقضائهما

بهدم النصرانية، فإذا حاولوا الجمع بين الدين والعلم كما ينصح لهم بعض أئمتهم

بما ينشر في المنار وغيره فإنما يحاولون محالا بل إنما يهدمون دينهم فيخرجون بلا

علم ولا دين، و (2) أن يعتقدوا أن سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات مطردة

في الواقع خلافا لما يحكم به الدين وعلماء الكلام، فإذا صدقوا بالواقع فعليهم أن

يكذبوا أئمتهم والعكس بالعكس، و (3) أن يجعلوا خليفتهم حاكما مدنيا يخترع

الشرائع والأحكام ويتركوا ما شرعه الله لما شرعه السلطان ويجعلوا الدين خالصا

بالعبادة لله تعالى، أي إنه يجب على المسلمين في رأي صاحب الجامعة أن يتركوا

نصف دينهم وهو أحكام المعاملات الدنيوية ويجعلوا النصف الثاني لمن يريد أن

يترك العقل والعلم والأسباب لأجل العبادة، هذا ملخص نصح صاحب مجلة الجامعة

للمسلمين ولأجل أن يجعله مقبولا أورد لهم كلمات عن بعض أئمتهم حرفها عن

معناها ليخدع البسطاء بها، وإننا نشرح هذه المسائل ونبين الحق فيها ليكون حجة

على هؤلاء المعتدين الذين {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو

كره الكافرون} (الصف: 8) .

***

الأسباب أو سنن الله تعالى في الخلق

وإثبات الإمام الغزالي لها

ذكر صاحب الجامعة في كتاب لفقه أننا أوردنا قوله تعالى: {ولن تجد لسنة

الله تبديلا} (الأحزاب: 62) لإثبات أن النواميس الطبيعية لا تتغير ولا تتبدل

ثم قال: (مع أنه لو قام حجة الإسلام الإمام الغزالي من قبره وسمع هذا القول

لكسر قلم صاحب تلك المجلة وضحك من بساطته وعدم اطلاعه على الشئون التي

يبحث فيها؛ لأنه استشهد بتلك الآية للغرض الذي ذكره مع أنها لم ترد في القرآن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٨١