تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن حير نفسه ونفع جنسه؛ وإذا تنبه لبه واستنارت بصيرته فلا يكون منه غير

التأوه على الإسلام، والبكاء على المسلمين، ولهذا اتفقت كلمة العمرانيين على أن

ترقي الأمم لا يفيد إلا إذا كان ماديا بحتا، مطهيا على أثافي الصناعة والزراعة

والتجارة، وطهاته الإقدام والحزم والعزم والنشاط والثبات، وحققوا أنه لا يتوقف

على دين، ولا يحتاج إلى بعثة رسول، وإنما تدعو إليه الحاجة، ويبعث إليه

اختلاط العناصر المختلفة ببعضها) .

يدين سكان الجابون بدين وثني، أخمد نفوس أهله آلاف السنين، وأبقاهم

خاملين تحت سجف طقوسه الواهنة، حتى ذاق أفراد منهم عسيلة الإثراء؛ فانبرت

نفوسهم ساعية وراء التأسيسات النافعة، وما فتئوا يفكرون حتى تنبه لهم الأقران؛

فتلاحقوا بهم ثبى، وما كادت تتنبه لهم الحكومة حتى اضطرها تفاقم المساعي إلى

التنازل عن كثير من حقوقها المكللة بطيلسان الكهنوتية المقدس، وأتاحت لهم بغير

عناد حكومة مقيدة باحتساب الأمة عليها، وقد صارت الآن تضارع أعظم الأمم

شوكة واقتدارا، وما دين المسيحية بأصفى منهلا من المنبع البوذي، وهذا مبتدع

وذاك مخترع، والمنزع القديم في الغالب مقتبس ومتبع (كذا) ومع ما هو عليه من

التشويش والتشويه والتبلس بتلك الحجب التي حاكتها يد المجامع المقدسة لم يزل

دينا للأمم الراقية ذات الطول والحول والمنعة والعزة رغما عن النهضة العلمية

والأخلاقية.

لا أحاول الجدال، ولا أريد الحوار، وإنما غايتي أن أطلعك على فكري

الخاص في إصلاح الأمة الإسلامية بالوسائل الصحيحة التي لا تستلزم زمنا طويلا

ولا تكلف تعبا كبيرا، وهي أن نترك القادري يعمه في قادريته، والرفاعي يعشو

في رفاعيته، كما تركنا النصراني يتخبط في ظلام نصرانيته والوثني يهرف في

وثنيته، ونسعى مع الجميع متكاتفين لنحصل فرنكا واحدا عن كل شخص من

المسلمين، ذاك لروح شيخه، وهذا باسم وليه، وذا في سبيل النهضة، وهذا باسم

الوطنية، إلى أن نتمكن من جمع مال كثير؛ فنؤسس به مشروعا يكون جزيل

الفائدة، كبير العائدة، وما علينا والصراخ في الهواء، والنداء في الأجواء،

والاحتراس من السياسة، والتوقي من الرياسة، فذاك في مذهبي شيء لا يجدي

والسلام) .

***

رأي المنار في الموضوع

لقد أحسن الكاتب النبيل القصد في قوله ولكن فيه إجمالا يحتاج إلى بيان

ونظر في بعض الجزئيات، وما كان الإجمال منه إلا لأنه كتبه لمن يغنيه الإجمال

عن التفصيل، وفرق بين ما كتب ليطوى وما كتب لينشر، ولقد سرنا توارد

الخواطر وتلاقي الأفكار بيننا وبين الكاتب النبيل، والوكيل الأصيل، في وجوب

عزل المتعلمين عن الأمة؛ لأن قوام التربية بالقدوة والمحاكاة المتولدتين من

المعاشرة والمخالطة، وقد بدأ الله تعالى تربية نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله

وسلم) بعزله عن الناس فحبب إليه الوحدة، وألهمه الانزواء والعزلة، ثم علمه

بالوحي ما شاء أن يعلمه، ولقد قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) فعلينا أن نستفيد

من هذه الحكمة، مع من منحه الله العصمة، وموافقة أخرى في الرأي وهي

الاستعانة على تعليم الفنون والعلوم الكونية، بأساتذة من أصغر الشعوب الأوربية،

لأن هؤلاء أبعد عن السياسة التي تفسد كل صلاح، وتحول دون كل نجاح.

الذي لاح لي من كلام الكاتب في إخفاق رجال الإصلاح المعنوي هو أن

غرضه منه تحويل وجوه المتعلمين عنه؛ ليتولوا شطر الإصلاح المادي الذي يراه،

وإلا فإن كل واحد من المصلحين الذين ذكرهم قد كان له تأثير كبير في أنواع

الانقلاب الذي حدث في العالم المرة بعد المرة، وليس من شرط النجاح في

المشروع أن يأخذ به كل أحد، ولا أن يكمل فيه كل من أخذ به.

فإذا كان الإصلاح المعنوي لم يعم أفراد الأمم التي ظهر فيها فكذلك الإصلاح

المادي، والسبب في هذا وذاك أن الاستعداد في البشر متفاوت تفاوتا كبيرا وكل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٧٠