تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسامحة والمسالمة ومحبة الأعداء. أقام الله منهم أدلة على دعاويهم، وأيد كلمة

الحق بما تقذفه أفواه متأدبيهم.

وبقي أن نقول: إن فضلاء المسيحيين وأدباءهم قد قدروا الرد الذي ننشره

قدره وعرفوا قيمته؛ إذ فهموا أنه أبلغ ما كتب في إقناع المسلمين بوجوب حسن

المعاملة مع المخالف في الدين، ووجوب الأخذ بأسباب الارتقاء الذي هو الوسيلة

الوحيدة لسعادة الشرق والشرقيين، ولو تأنى الرصيف المحترم صاحب الجامعة

الغراء وصبر حتى قرأ الرد كله (ولم يحكم بأنه 35 صفحة فقط.. .) لجاز أن

يظهر له منه ما ظهر لعلماء المسيحيين وكبار كتابهم من أنه أكبر خدمة خدم بها

الشرق، والله الهادي إلى سبيل الحق.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

سخافة بشائر السلام في الجاهلية والإسلام

نشرت مجلة بشائر السلام الإنجيلية في جزئها التاسع نبذة في الجاهلية

والإسلام زعمت فيها أن الإسلام في عقائده وأعماله دون الجاهلية، وقد توسعت في

الكلام على الركن الأعظم في الإيمان وهو توحيد الله تعالى فزعمت أن الإسلام زاد

الجاهلية وثنية على وثنيتها! ! ! واحتجت على ذلك بستة أمور:

(1) كون الإيمان بمحمد محتما بعد الإيمان بالله تعالى فجعلت هذا شركا بالله

وما هذا الإيمان بالوحي والرسل فإن من ينكر نبوة موسى أو عيسى كافر عند

المسلمين كمن ينكر نبوة محمد عليهم الصلاة والسلام. فيظهر أن الإيمان بالوحي

شرك ووثنية عند الكاتب الإنجيلي. وتعبيره بمقارنة الاسمين في الشهادتين لا يزيد

الشبهة قوة فإن صيغة الشهادة المروية في الصحيحين هي (أشهد أن لا اله إلا الله

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) فهل يكون العبد ربا وإلها؟ ! وأما المقارنة في

الذكر قولا وكتابة فهي لا تمتنع إلا إذا حرم ذكر الله تعالى ومنع بالمرة! ألا يقول

الكاتب: رحم الله فلانا ونحو هذا؟ وقد كبرت على الكاتب كلمة توجد في بعض

كتب المسلمين وهي أن كلمتي الشهادة مكتوبتان على العرش قبل خلق السماوات

والأرض.

القول بهذه الكتابة ليس من عقائد الإسلام فمن عاش ومات ولم يسمع بها، أو

سمع ولم يصدق بأنها وردت في الحديث بالمرة فلا يعد هذا ولا ذاك نقضا لإيمانه

ولا نقصا منه. وإذا قلنا إن هذه الكتابة ثبتت وصحت فأي وثنية فيها والإله إله

والعبد عبد؟ نعم إن ذلك يدل على التشريف. وهل يقول الكاتب أن جميع عباد الله

سواء في معرفته وعبادته ونفع خلقه وأن تشريف بعضهم وتفضيله على الآخر

شرك بالله؟ وأن التوحيد الخالص هو أن يعتقد الإنجيلي بأن موسى كفرعون

وإبراهيم كنمرود بلا فرق؟ هذا هو فهم دعاة النصرانية في الدين، وهذا ما ينقمون

من المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

(2) زعم الكاتب أن المسلمين أنزلوا حديث النبي منزلة القرآن وجعلوهما

سواء في أخذ الأحكام مع اعتقادهم بأن القرآن كلام الله والحديث كلام محمد. وزعم

أن الشيعة تركوا الحديث فأسخطوا أهل السنة. وكل من الزعمين باطل فأهل السنة

لا يقولون بأن القرآن والأحاديث سواء، والشيعة لم يرفضوا الأحاديث.

القرآن أصل الدين، والسنة مبينة له قال تعالى: {بالبينات والزبر وأنزلنا

إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (النحل: 44) ، وللقرآن خصائص ومزايا

ليست للسنة كوجوب الإيمان بجميع ما فيه وكالتعبد بتلاوته. وأما الأحاديث فلا يضر

في الإيمان إنكار أي حديث منها (ومن ثبت عنده شيء بالتواتر لا يستطيع إنكاره وإن

لم يكن حديثا فلا يجيء الحديث المتواتر هنا) ، وهي على أقسام فيما كان منها

متعلقا بأمور الدنيا لا يجب الأخذ به، ويجوز أن يكون خطأ كما في حديث تأبير

النخل الصحيح وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وما كان

متعلقا بأمر الدين فإما أن يكون عن اجتهاد، وإما أن يكون عن وحي. أما اجتهاد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٥٨