تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16 ربيع الأول - 1320ه

23 يونيه - 1902م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

شروط الواقفين

وعدم التعبد بكلام غير المعصومين

جرى على الألسنة واشتهر بين الناس قول بعض الفقهاء: (إن شرط الواقف

كنص الشارع) وهو ما عليه عمل المحاكم من عهد بعيد إلى اليوم فيتمسكون

بكلمات كتبت في (الوقفيات) وربما لم يكن يفهمها الواقف، وإنما كتبها

الكاتب فيما يكتب من عباراته التقليدية ويتركون أحيانا المقصود من الوقف للشارع

وللواقف؛ وقوفا عند الألفاظ. وقد رأيت بحثا نفيسا في هذا الموضوع للإمام الحافظ

الفقيه ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) أحببت أن أنشره في المنار ليعلم الناس

أن ديننا دين مقاصد عالية ومصالح تقوم بها المنفعة لا دين ألفاظ تبتدع ثم تتبع قال

رحمه الله تعالى - مناقشا فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية في مسائل خالفوا فيها

النص أو خرجوا عن القياس الصحيح - ما نصه بمقدمته:

(فصل) وقالت الحنفية والمالكية والشافعية: إذا شرطت الزوجة أن لا

يخرج الزوج من بلدها أو دارها وأن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فهو شرط باطل

فتركوا محض القياس بل قياس الأولى فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلا أو

غير نقد البلد أو زيادة على مهر المثل لزم الوفاء بالشرط. فأين المقصود الذي

لها في الشرط الأولى إلى المقصود الذي لها في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى فواته؟

وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية فبانت عجوزا شمطاء قبيحة

المنظر أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه حتى إذا فات درهم واحد من الصداق فلها الفسخ بفواته قبل الدخول فإن استوفى المعقود عليه ودخل بها وقضى وطره منها ثم فات الصداق جميعه ولم تظفر منه بحبة واحدة فلا فسخ لها.

وقستم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يودها ولا ينفق عليها ولا يطأها

ولا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك مما هو من أفسد القياس الذي فرقت الشرعية بين

ما هو أحق بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به وجمعتم بين ما فرق القياس والشرع

بينهما وألحقتم أحدهما بالآخر، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الوفاء بشروط

النكاح التي يستحل بها الزوج امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق

فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقها بعدم الوفاء.

وجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح (أي

بأن وقف على أهل هذه التكية ما لم يتزوجوا) وكشرط الصلاة في المكان الذي

شرط الصلاة فيه وإن كان (المصلي) وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة

المسلمين. وقد ألغى الشارع هذا الشرط في النذر الذي هو قربة محضة وطاعة فلا

تتعين عنده بقعة عينها الناذر للصلاة إلا بالمساجد الثلاثة (المسجد الحرام ومسجد

المدينة ومسجد بيت المقدس) وقد شرط الناذر في نذره تعيينه فألغاه الشارع

بفضيلة غيره عليه أو مساواته له فكيف يكون شرط الواقف الذي غيره أفضل

منه وأحب إلى الله ورسوله لازما يجب الوفاء به؟ وتعيين الصلاة في مكان معين لم

يرغب الشارع فيه ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر ولا يصح اشتراطه في

الوقف.

(فإن قلتم: الواقف لم يخرج ماله إلا على وجه معين فلزم اتباع ما عينه في

الوقف من ذلك الوجه، والناذر قصد القربة، والقرب متساوية في المساجد غير

الثلاثة فتعيين بعضها لغو. قيل: فهذا الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة

فيه من شروط الواقفين واعتبار ما فيه قربة فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف

التقرب من الله فتقربه بوقفه كتقربه بنذره، فإن العاقل لا يبذل ماله إلا لما فيه

مصلحة عاجلة أو آجلة، والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه مباحة كانت أو

غيرها وقد يبذله فيما يقربه إلى الله.

وأما بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه تقرب إلى الله. ولو قيل له: إن هذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٠٠