والانقطاع إلى العبادة، ثم إضعاف الأمة بالخلاف في الدين والتنازع بين دولة
القياصرة ودولة الرهبان والأساقفة وانتصار هؤلاء وتحكمهم بخرافاتهم في الأمة،
فالذي مكن المسلمين من الإغارة على صقلية والاستيلاء على سيراقوسة هو إلزام
القسيسين القيصر باسيله الأول المقدوني بأن يشغل الجيش ببناء كنيسة القديس
ميخائيل وكذلك ألزموا خلفه القيصر ليون بأن يشغل عسكر الأسطول بمثل ذلك
فتيسر بذلك للمسلمين الاستيلاء على جزيرة لمنوس.
وأما خلافهم في عبادة الصور وما نشأ عنه من التنازع والفشل فحدث عنه ولا
حرج فثبت بذلك أن النصرانية قد زادت اليونان والرومان جهلا ووهنا فكانوا بذلك
في أشد الحاجة إلى ذلك الينبوع الذي فاض في أرض العرب، وتفجر ماؤه على
غيرها فأحيا البلاد والعباد. كما هو شأن الأنهار والينابيع تفيض من مكان وتحيي
ما تسير إليه. وصح تمثيلنا حتى على الوجه الذي صرفه إليه الدكتور الفاضل
محرر المقتطف الأغر. وهذا جواب سؤاله بالاختصار.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
لاحقة سجل جمعية أم القرى
يقول (السيد الفراتي) : إنه بعد تفرق الجمعية بنحو شهرين ورد إلي من
الصاحب الهندي كتاب يذكر فيه أنه بعد مفارقته مكة المكرمة اجتمع بأمير جليل
فاضل من أعاظم نبلاء الأمة ورجال السياسة. فاستطلع رأي الأمير في شأن
النهضة الإسلامية، وبعد أن دار بينهما حديث طويل تحقق من خلاله سمو فكر
الأمير والتهاب غيرته، ذكر له اطلاعه على سجل جمعية أم القرى وأشياء من
مذاكراتها ومقرراتها فأظهر الأمير سروره من الخبر وشديد شوقه للاطلاع على
السجل الذي ذكره له فعندئذ وعده إعارته نسخة من السجل، ثم أرسلها إليه
وبعد أيام تلاقيا فدارت بينها المحاورة الآتية:
قال الأمير: أشكر لك أيها الصاحب هذه الهدية العزيزة ويا لذة ليلة أحييتها
في مطالعة تلك المذاكرات الغنية التي لم أتمالك أن أتركها تلك الليلة حتى أتيت على
آخرها ثم في الأيام التالية أعدت النظر فيها بالتدقيق.
قال الصاحب: يظهر من عبارة مولاي الأمير استحسانه كيفية تشكل الجمعية
وامتنانه من مجرى مذاكراتها.
قال الأمير: كيف لا أعجب بذلك ولطالما كنت أتمنى انعقاد جمعية يتضافر
أعضاؤها على مثل هذا المقصد، وتكون فيهم المزية التي ظهرت على رجال هذه
الجمعية. الذين حلوا المشكلة حلا سياسيا ودينيا معا، وكنت أستبعد وجود أكفاء
كهؤلاء، وأعظم إعجابي هو في هذا الرجل الملقب بالسيد الفراتي، كيف اهتدى
في رحلة قصيرة مع إقامته أياما قلائل في مكة لانتخاب هؤلاء الأعضاء الأجلاء.
قال الصاحب: لا بد أن يكون هذا الرجل مخلصا في قصده فأعانه الله عليه
كما ورد في الخبر: إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه: فلعل في الأقدار شيئا آن أوانه.
قال الأمير: نعم للأقدار دلائل، ولنعم البشائر.
قال الصاحب: أود أن أستفيد من مولاي الأمير وجوه إعجابه بهذه الجمعية
ومذاكراتها لأصحح رأيي في بعض انتقادات تختلج في فكري القاصر، فإن أذن لي
أعرضها عليه مسألة مسألة.
قال الأمير: قل، ولعلي أقف على ما لم أنتبه إليه.
قال الصاحب: يظهر أن أعضاء الجمعية ليس بينهم بعض من السياسيين
المحنكين، فلو وجد ربما كانت تأتي المقررات أشد إحكاما.
قال الأمير: لا أظن في الأمراء والوزراء المسلمين المعاصرين من هم أعلى
كعبا في السياسة من بعض هؤلاء الأعضاء الذين تشف آراؤهم عن سعة اطلاع
وسمو فكر وبعد نظر مع ملاحظات السياسة الدينية والحالة العلمية والتدقيقات
الأخلاقية.
قال الصاحب: أرى أن الجمعية أعطت لمباحث السياسة الدينية الموقع الأول
وقد أصابت، على أن السياسة الإدارية أيضا جديرة بالاهتمام فتركت بدون تدبير
كاف.
قال الأمير: لا شك أن السياسة الإدارية مهمة أيضا، وقد ابتدأت الجمعية بها