نموذج من كتاب دلائل الإعجاز
للإمام عبد القاهر الجرجاني
(تتمة الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه
وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه)
كان آخر القول في النبذة الماضية أن النبي كان يستنشد عائشة فتنشده ما تقدم.
قالت: فيقول عليه السلام (يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده صنع إليك
عبدي معروفا فهل شكرته عليه فيقول يا رب علمت أنه منك فشكرتك عليه قال
فيقول الله عز وجل: لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريته على يده) .
(وأما) علمه عليه السلام بالشعر فكما روي أن سودة أنشدت (عدي وتيم
تبتغي من تحالف) فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما أنها عرضت بهما
وجرى بينهن كلام في هذا المعني فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليهن
وقال: (يا ويلكن ليس في عديكن ولا تيمكن قيل هذا، وإنما قيل هذا في عدي تميم
وتيم تميم) وتمام هذا الشعر:
فحالف ولا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل عارف [1]
ألا من رأى العبدين أو ذكرا له ... عدي وتيم تبتغي من تحالف
وروى الزبير بن بكار. قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو
بكر رضي الله عنه برجل يقول في بعض أزقة مكة:
يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بآل عبد الدار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر هكذا قال الشاعر) قال: لا يا رسول
الله ولكنه قال:
يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا سألت عن آل عبد مناف
فقال رسول الله صلى الله وعليه وسلم هكذا كنا نسمعها.
(وأما) ارتياحه صلى الله عليه وسلم للشعر واستحسانه له فقد جاء فيه
الخبر من وجوه من ذلك حديث النابغة الجعدي قال: أنشدت رسول الله صلى الله
عليه وسلم قولي:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق مظهرا
فقال النبي صلى اله عليه وسلم: (أين المظهر يا أبا ليلى؟) فقلت: الجنة يا
رسول الله قال: (أجل إن شاء الله) . قال: (أنشدني) فأنشدته من قولي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوة أن يكدرا [1]
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال صلى الله عليه وسلم: (أجدت، لا يفضض الله فاك) قال الراوي: فنظرت
إليه فكأن فاه البرد المنهل ما سقطت له سن ولا انفلت ترف غروبه [2]
(ومن ذلك) حديث كعب بن زهير روي أن كعبا وأخاه بجيرا خرجا إلى
رسول الله عليه وسلم حتى بلغا أبرق العزاف فقال كعب لبجير: الق هذا الرجل وأنا
مقيم ههنا فانظر ما يقول وقدم بجير على رسول الله صلى الله وعليه وسلم فعرض
عليه الإسلام فأسلم وبلغ ذلك كعبا فقال في ذلك شعرا فأهدر النبي صلى الله عليه
وسلم دمه فكتب إليه بجير يأمره أن يسلم ويقبل إلى النبي صلى الله وعليه وسلم
ويقول: وأن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل منه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأسقط ما كان قبل ذلك فقدم كعب وأنشد النبي صلى الله عليه
وسلم قصيدته المعروفة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفيد مغلول [4]
وما سعاد غداة البين إذ رحلت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول
سح السقاة عليه ماء محنية ... من ماء أبطح أضحى وهو مشمول [5]
أكرم بها خلة لو أنها صدقت ... موعودها أولو أن النصح مقبول
حتى أتى على آخرها فلما بلغ مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليل
شهم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسيج داود في الهيجا سرابيل
أشار رسول الله صلى الله وعليه وسلم إلى الحلق أن اسمعوا قال: وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يكون من أصحابه مكان المائدة من القوم يتحلقون حلقة دون
حلقة فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة والأثر به