تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16 جمادى الآخرة - 1320ه

19 سبتمبر - 1902م

الكاتب: محمد عبده

-----------------

<span class="footnote">

الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

وهو المقال الثالث لذلك الإمام الحكيم والأستاذ العليم

طبيعة الإسلام مع العلم بحكم أصوله

(تمهيد للأصل الأول) للإسلام في الحقيقة دعوتان: دعوة إلى الاعتقاد

بوجود الله وتوحيده ودعوة إلى التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فأما

الدعوة الأولى فلم يعول فيها إلا على تنبيه العقل البشري وتوجيهه إلى النظر في

الكون واستعمال القياس الصحيح والرجوع إلى ما حواه الكون من النظام والترتيب

وتعاقد الأسباب والمسببات ليصل بذلك إلى أن للكون صانعا واجب الوجود عالما

حكيما قادرا وأن ذلك الصانع واحد لوحدة النظام في الأكوان، وأطلق للعقل البشري

أن يجري في سبيله الذي سنته له الفطرة بدون تقييد فنبهه إلى أن خلق السموات

والأرض واختلاف الليل والنهار وتحريك الرياح على وجه يتيسر للبشر أن

يستعملها في تسخير الفلك لمنافعه وإرسال تلك الرياح لتثير السحاب فينزل من

السحاب ماء فتحيي به الأرض بعد موتها وتنبت ما شاء الله من النبات والشجر مما

فيه رزق الحي وحفاظ حياته - كل من آيات الله عليه أن يتدبر فيها ليصل منها إلى

معرفته.

ثم قد يزيده تنبيها بذكر أصل للكون يمكن الوصول إلى شيء منه بالبحث في

عوالمه فيذكر ما كان عليه الأمر في أول خلق السموات كما جاء في آية: {أو لم

ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء

حي أفلا يؤمنون} (الأنبياء: 30) ونحوها من الآيات، وهو إطلاق لعنان العقل

البشري شوطه الذي قدر له في طريق الوصول إلى ما كانت عليه الأكوان، وقد

يزيد التنبيه تأثيرا في إيقاظ العقل ما يؤيد ذلك من السنة كما جاء في خبر من سأل

النبي صلى الله عليه وآله: أين كان ربنا قبل السموات والأرض فأجابه عليه السلام:

(كان في عماء تحته هواء) [1] والعماء عندهم السحاب، فنرى القرآن في مثل

هذه المسألة الكبرى لا يقيد العقل بكتاب، ولا يقف به عند باب، ولا يطالبه فيه

بحساب؛ فليقرأ القارئ القرآن، يغنني عن سرد الآيات الداعية إلى النظر في آيات

الكون - ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ (الأعراف: 185) ، {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه

يأكلون} (يس: 33) - {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم

وألوانكم} (الروم: 22) وأمثال ذلك، فلو أردت سرد جميعها لأتيت بأكثر من

ثلث القرآن بل من نصفه في مقالي هذا.

يذكر القرآن إجمالا من آثار الله في الأكوان تحريكا للعبرة، وتذكيرا بالنعمة،

وحفزا للفكرة، لا تقريرا لقواعد الطبيعة، ولا إلزاما باعتقاد خاص بالخليقة،

وهو في الاستدلال على التوحيد لم يفارق هذا السبيل، انظر كيف يقرع بالدليل:

﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء: 22) {ما اتخذ الله من ولد وما

كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما

يصفون} (المؤمنون: 91) .

فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء

سوى الدليل العقلي، والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري، (وهو ما

نسميه بالنظام الطبيعي) فلا يدهشك بخارق للعادة، ولا يغشي بصرك بأطوار غير

معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية،

وقد اتفق المسلمون إلا قليلا ممن لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله فلا

يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب المنزلة [2] فإنه لا يعقل

أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله وبأنه يجوز أن ينزل

كتابا أو يرسل رسولا.

وقالوا كذلك: إن أول واجب يلزم المكلف أن يأتي به هو النظر والفكر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢١٧