تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إحياء الإسلام لمدينة اليونان والرومان والمصريين

ذكرنا في آخر الجزء الماضي أن المقتطف الأغر قرظ كتاب (الإسلام

والنصرانية مع العلم والمدنية) وانتقد في تقريظه التمثيل الذي أوردناه في مقدمة

الكتاب موردا انتقاده في صورة سؤال يستحب أن يسمع جوابه إن كان عندنا جواب،

وها نحن أولاء نوافيه بما يجب بعد إيراد السؤال أو الانتقاد. قال الكاتب الفاضل

بعد ذكر اسم الكتاب ونسبته إلى من نسب إليه: (وهو مقالات نشرت في مجلة

المنار الإسلامي، ثم جمعت على حدة في كتاب. قال حضرة الأستاذ الفاضل السيد

رشيد رضا صاحب مجلة المنار في تمهيد وضعه لها ما نصه:

(ينبوع تفجر في أرض وفاض ماؤه على غيرها فأحيا الأرض بعد موتها

ولكن القائمين على حراسته وتعاهده وضعوا فوقه أنقاضا من خرائب جيرانهم

فغيض الماء وما بقي منه صار مستنقعات تحتوى، ولم يلبث بعدما غاض أن فاض

منه شيء في مواضع أخرى فانتفع أهلها به وحافظوا عليه ولكن الأكثرين منهم لا

يعرفون من أين جاءهم كما أن أكثر أهل الينبوع المنتسبين إليه لا يعرفون أن ذلك

الماء الذي تفجر من تلك المواضع فأنشأ أهلها به حدائق ذات بهجة وهو من ماء

ينبوعهم وأنهم لو أزالوا عنه تلك الأنقاض لفاض ورجع إليهم به خصبهم ونماؤهم

كأحسن ما كان؛ لأنهم تعلموا من غيرهم كيف يستخدم الماء للإحياء. ذلك مثل

المسلمين اليوم مع الأمم الغربية الحية الراقية، أخذ الغربيون من الإسلام كل أصول

الإصلاح الذي هم فيه) .

(ثم قال الكاتب بعد نقل هذه الجملة ما نصه) : (ويا حبذا لو بين لنا

حضرة الأستاذ الفاضل من أين أتى الماء الذي أحيا مدنية اليونان والرومان

فأنشؤوا به الحدائق والجنات والماء الذي أحيا مدنية المصريين الأقدمين

فبقيت آثارهم الصناعية إلى الآن لم يقو ملوك العرب على محوها مع ما بذلوا في

ذلك من العناء وآثارهم الأدبية مرسومة في صفائح الصخور تعلم أسمى الفضائل

وأفضل الآداب) .

* * *

(جواب المنار)

كنا بالأمس أو بالأموس نرد شبهات بعض المتطفلين على موائد العلم

والمتهجمين على الطعن في الإسلام بغير فهم، ونحن اليوم إنما نذاكر عالما غزير

المادة واسع الاطلاع، ونناظر أديبا ذكي الفؤاد، دقيق الانتقاد إلا أن قلمه عثر في

هذا الميدان وقد يكبو الجواد.

من حسنات المقتطف أنه ينتقد الكتب التي يقرظها ولا يتبع سنن الجرائد في

مدح كل ما يهدى إليه من كل وجه وإن كان مذموما من وجوه كثيرة، وانتقاد الكتب

التي تنشر بين الناس أمر نافع ولكنه وعر المسلك؛ لأن وقت كتاب المجلات

والجرائد قصير يضيق عن قراءة كل ما يهدى إليهم من المطبوعات لانتقاده، ولأن

أصحاب تلك المطبوعات من المؤلفين أو الناشرين يألمون من الانتقاد وإن كان حقا

ومقنعا، وبعض الانتقاد يؤلم الجماهير من الناس إذا كانوا على خلاف رأي المنتقد،

فالتصدي للانتقاد مع هذه الوعورة في طريقه يعد فضيلة توجب الثناء والشكر

على من يعرف فوائد الانتقاد في تجلي الحقائق وتحري الصواب وتنقيح العلوم

والفنون، ولقد قلت من قبل قولا في ذلك كشف به عما في نفسي وهو: سواء

عندي من مدح قولي ومن انتقده؛ لأنني في حاجة إلى معرفة ما يستحسن منه وما

يستقبح على سواء بل ربما كنت أحوج إلى معرفة موضع النقد، مني إلى معرفة

موضع الحمد؛ لأن هذا أبعث على إصلاح العمل، وأهدى إلى توقي الزلل.

أما عثرة المقتطف فهي ظاهرة لأول وهلة في تحويل التمثيل عن موضعه

فإنه صريح في كون الكلام في (المسلمين أو مع الأمم الغربية الحية الراقية) لا مع

المصريين الأولين، ولا مع اليونانيين والرومانيين، وصريح في كون الأمم الحية

أخذت من ينبوع الإسلام كل أصول الإصلاح الذي هم فيه، وهذه المسألة المجملة

في مقدمة الكتاب مفصلة بعض التفصيل في الكتاب نفسه؛ ولذلك لم يطلب المنتقد

بيانها؛ لأنه طلب تحصيل الحاصل، أما مدنية المصريين واليونان والرومان فالناقد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٥١