تتمة سيرة السنوسي
(المنشورة في الجزء 12)
وكان اعتناؤه منصرفا إلى علوم القرآن والتفسير والحديث، ولم يذكر كاتب
المقالة السبب في هذا وما هو إلا النزعة الاجتهادية التي كان عليها والده ورباه
عليها، ولذلك تولى تعليمه التفسير والحديث بنفسه. وكأن الاجتهاد في الدين وفهم
الحكام من الكتاب والسنة صار معيبا عند المسلمين، ولذلك حاول كاتب المقالة
تكذيب ما أشيع من أن المهدي غير مالكي المذهب وزعم أن كل السنوسيين على
مذهب الإمام مالك (رضي الله عنه) قال: (ويبسملون في الصلاة ويقبضون
أيديهم) لعله يريد أنهم لا يتركون المشهور من مذهب مالك إلا في بعض المندوبات. والصواب أن السيد محمدا المهدي السنوسي لا يعمل إلا بما صح عنده في الكتاب والسنة كما كان والده من قبله.
ثم يتكلم الكاتب عن سياسته فقال: إن السنوسيين لا يخوضون فيما لا يعنيهم
كالسياسات، فذلك عندهم كالمحرمات وما أشيع عن السنوسي من أنه مستعد للحرب
ويدخر الأسلحة المتقنة المجلوبة من أوربا، وأنه يشيد الحصون بالصحراء ويصنع
البارود، وله عسكر وخيول مسومة ويبغض الإفرنج فهاته كلها خرافات وأراجيف
لا أصل لها وسيعرف الناس ذلك عندما تسمح الحال بالمواصلات بين أفريقيا
الشمالية والجهات الصحراوية. وكتب مستشهدا: ولا ينبئك مثل خبير. ثم أطنب
الكاتب في تكذيب هذه الإشاعات ونسبها إلى ذوي الأغراس حتى كاد إطنابه يوقع في
الظنة. واحتج على صدق قوله بأن الرحالة (مونتاي) وصف السنوسي وإخوان
طريقته بما يقرب مما قاله.
قال الكاتب: وفي هاته المدة ظهر داع بنواحي بحيرة تشاد لشن الغارة وإثارة
الفتن اسمه محمد السنوسي وهو من أتباع رابح سلطان برنو الذي قتل في السنة
الفارطة، وكانت له أخت اسمها فاطمة في عاصمة رابح. ثم وصف من ظلم هذا
السنوسي الجديد وعتوه، وذكر أن بعض الكتاب الفرنسيين لما سمعوا بخبره طفقوا
ينددون بالسنوسي صاحب الطريقة ظانين أنه جاهرهم بالعدوان - وسرى هذا الغلط
الفاحش إلى الطبقات العالية من أهل الصحف كالطان وغيره، وقال: إنه لا لوم
على تلك الصحف في غلطها (لأن هذا الإيهام سرى أيضا لبعض الصحف
الإسلامية نفسها مثل مجلة المنار فقد ذكرت أن السنوسي المهدي له حرب مع
الفرنسويين.
ثم قال: إن الشيخ المهدي السنوسي رحل سنة 1312 من بلد جغبوب على
حين غفلة مع أهله وولده وبعض الإخوان قاصدا بلد الكفرة بالصحراء الشرقية في
عرض 25 درجة وطول 20 درجة (من باريس) فوصل إليها بعد مسير أربعين
يوما وسماها بغدامس الجديدة، ولم يعلم السبب في ارتحاله والذي أظن هو ميلانه
للانزواء وابتعاده عن الوساوس والمطامع الإنكليزية إذ كان قدم عليه بعض سياح
الإنكليز في جغبوب. وفي سنة 1317 ارتحل من الكفرة فتوجه إلى نواحي كانم
ولا زال في تلك الأماكن على عادته المألوفة من عبادة ربه وعدم اشتغاله بما لا
يعنيه هو وطائفة من إخوانه إلى أن بلغنا انتقاله إلى الدار الآخرة في شهر جمادى
الأولى سنة 1320 على طريق الصحف الإخبارية رحمه الله تعالى وجعل الجنة
متقلبه ومثواه.
(المنار) : قد انتهى تلخيص ما كتب في جريدة الحاضرة. ونحن نقول:
إن أمر موته لا يزال مشكوكا فيه، فإن السنوسيين الواردين من زوايا الصحراء
على مصر يكذبون ذلك، ولا يبعد أن يكون تكذيبهم مبنيا على اعتقادهم بأنه المهدي
المنتظر، فإن اختفى أياما فلا بد أن يظهر، ولذلك نرى أنه يقتضي الشك في موته
لا ترجيح عدمه.
وأما خبر مناوشة الفرنسيين للسنوسيين فإنما اعتمدنا على مكاتبات السنوسيين
أنفسهم لا على الإشاعة والاستنباط، وليس حديث هذه المناوشة بالحديث وإنما كان
في العام الماضي، فقد راجعنا بعد نشر مكتوب ذلك الطرابلسي مكتوبا آخر من أحد
بطانة السنوسي مؤرخا في رمضان سنة 1319 وفيه ما نصه:
(الأخبار الواردة من جهة كانم أن الفرنسيين لما سمعوا أن سيدي البراني