تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غرة رمضان - 1320ه

1 ديسمبر - 1902م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

أيصومون ولا يصلون وهم مؤمنون

إذا كان الله تعالى قد منحنا الدين ليهدينا به إلى سعادة الدارين ومنافع الحياتين

فلا غرو أن يكون لكل عبادة فيه وجهان: أحدهما روحاني ينظر إلى توثيق عقدة

الإيمان وتهذيب الأخلاق، والآخر اجتماعي دنيوي ينظر في إحكام عرى الارتباط

بين المؤمنين العابدين لتتأكد أخوتهم. وتبرم جامعتهم، وتتحقق وحدتهم، وقد

اهتدى علماء الاجتماع في هذه العصور إلى وجوب توحيد عادات الأمة؛ لأن

الوفاق كلما كثر وتعدد ما به يكون اشتدت الأواخي وأمنت التراخي حتى يكون

مجموع الأفراد كالشخص الواحد. فتراهم قد اتفقوا في أنواع العادات فهم يلبسون

زيا واحدا ويأكلون في وقت واحد ويتنزهون في وقت واحد كما يتعلمون على طريقة

واحدة ويتربون على مثال واحد، وبهذا صاروا كأنهم أهل بيت واحد يتعاطفون

ويتعاضدون؛ بل صاروا في مجموعهم كالجسد الواحد كما ورد الحديث في وصف

المؤمنين.

الصوم والصلاة عبادتان علمتا المسلمين الأولين مراقبة الله تعالى والتوجه إليه

وطلب مرضاته فصلحت نفوسهم وسمت هممهم وتهذبت أخلاقهم وعلمتاهم الاجتماع

في أوقات معينة والأكل في أوقات متفقة فأرشدتهم إلى النظام وطرق الوحدة

فصلحت أحوالهم باطنا وظاهرا فكانوا كما قال الله تعالى في خطابهم:

﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (الأنبياء: 92) أو كالبنيان يشد

بعضه بعضا كما ورد في الحديث.

مضت سنة الأولين من أهل الملل أن الدين يضعف فيهم ويضمحل على هذا

النحو؛ تزول حقيقته المعنوية أولا ثم تزول بعدها صورته الظاهرة بالتدريج.

الجسد الحي بقاؤه ببقاء روحه فإذا أزهقت الروح منه أسرع إليه الفساد ثم التلاشي

والاضمحلال. وإنما تزهق روح الدين بأمراض تعرض لها بعد فقد الأطباء

الروحانيين أو إهمال خواص الأمة لهم وتركهم طبهم لأرواحهم عند مرضها.

والسبب في رغبة هؤلاء عن مداواة نفوسهم هو أن الأمراض التي تلم بهم مستلذة؛

بل هي لا تعدو الإفراط في اللذة مع الجهل بالعافية وما وظيفة الدين إلا هداية

الإنسان إلى موقف الاعتدال في استعمال قواه الفكرية والنفسية لتبقى فطرته سليمة

معتدلة.

الصلاة أفضل من الصيام؛ لأن سلطانها على الروح أعلى، وجذبها إياه إلى

عالم القدس أقوى، ولأن تأثيرها في جمع القلوب والتأليف بين الأفراد أبلغ،

وإشعارها نفوس الطبقات المختلفة معنى المساواة أشد.

الصيام يذكر النفس بالسلطان الإلهي عندما تعرض لها الطيبات في النهار

فترى أنها ممنوعة منها بأمر الله تعالى شأنه وعند الفطر والسحور إذا تذكرت أن

تغيير مواقيت الأكل إنما كان لتحقيق هذه العبادة التي فرضها البارئ جل جلاله على

عباده ترويضا لأرواحهم وجسومهم وتعويدا لهم على حكم قواهم النفسية كيلا تفرط

عليهم وتطغى ليستعدوا بذلك كله لتقواه جل وعلا. وأما الصلاة فكل قول من أقوالها

وكل عمل من أعمالها فهو ينفخ هذا الروح الحي فيمن يقيم الصلاة لا في كل من

يصلي؛ لأن فصلا بعيدا بين إقامة الشيء على وجهه وبين الإتيان بصورته

كالفصل بين خلق الإنسان وبين رسم صورته على لوح أو جدار.

إذا قال مقيم الصلاة: الله أكبر، أعطته هذه الكلمة من تجريد التفضيل في

التكبير أن الله تعالى أكبر من كل ما يوجد ويتصور فيطمئن قلبه بالتنزيه وتستولي

عليه هيبة الكبرياء والعظمة، ثم إذا قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات

والأرض (وهو مستحضر أنه يعبر عن توجه قلبه، إلى حضرة معرفة ربه)

فإن نفسه تسمو عن الالتفات إلى الدنايا، وتسمو عن الاشتغال بالخسائس، حسبك

من الصلاة ما تعطيه هاتان الكلمتان، فكيف بك إذا تدبرت سائر الأذكار والتلاوة

وفقهت أثر ذلك القيام والقعود، والركوع والسجود؟ كأني ببعض المكابرين الذين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٢٩