الكاتب: أحد طلبة الطب بمصر
-----------------
<span class="footnote">
تحريم الخنزير ونجاسة الكلب
حضرة الأستاذ الفاضل / صاحب مجلة المنار الأغر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد) فإني أتيت بهذه المقالة راجيا نشرها في مجلتكم الغراء، حتى
تتبين للناس الحكمة في اعتبار الشريعة الإسلامية أن الكلب نجس وفي تحريمها
لحم الخنزير معتمدا فيما أقول على المباحث العلمية الطبية الحديثة التي أثبتتها
التجارب الحسية حتى لا يبقى عند أحد ريب في صحة ما أتت به هذه الشريعة
الغراء والعمل بموجبه، فإنها أحكم من أن تضع حكما عبثا وأجل من أن تسن قانونا
لا فائدة للناس فيه، ومهما خفي سببه في بادئ الأمر فلا بد أن تتجلى فائدته عاجلا أو
آجلا، فأقول:
لتحريم لحم الخنزير أسباب كثيرة أجلها ثلاثة قبل أن أتكلم على هذا السبب
الأول يجب أن أقدم مقدمة في (علم الديدان) حتى لا يعسر على أحد فهم ما أقول.
(الأول ومقدمته)
قد يوجد في أمعاء الإنسان عدة أنواع من الديدان قل أن يخلو منها أحد، ومضار
هذه الديدان متفاوتة فمنها ما ضرره عظيم ومنها ما ضرره حقير ومن هذه الأنواع
ما يسمى بالديدان الشريطية. أذكر منها الدودة الوحيدة بتفصيل يسير لأن لها صلة
بموضوعنا وأشير إلى غيرها فيما بعد. تسمى هذه الدودة (تينيا سوليم) وهي كلمة
يونانية ومعناها (الشريط الوحيد) سماها الواضع بهذا الاسم لظنه أنه لا يوجد منها
في الأمعاء إلا واحدة فقط وهذا خطأ فقد يوجد منها أحيانا اثنتان أو ثلاث، وطولها
يختلف من 7 أقدام إلى عشرة أقدام وهي مقسمة إلى عدة أقسام تبلغ 850 وفي
الأقسام الخلفية توجد أعضاء التناسل فتجد أن كل قسم منها فيه أعضاء الذكر
والأنثى، فإذا تممت هذه الأعضاء وظيفتها وتكونت البويضات في داخل الرحم
انمحت الأعضاء إلا الرحم فتبقى البويضات محفوظة فيه فإذا سقطت هذه الأقسام
المشتملة على البويضات من دبر الإنسان وقت التخلي كما يحصل كثيرا لمن كان
مصابا بها ووصلت هذه البويضات إلى معدة الخنزير أثناء تقممه القاذورات وأكلها
ذاب قشرها بواسطة العصير المعدي وخرجت الأجنة فتثقب الغشاء المخاطي للمعدة
وتصل إلى أوعية الدم الذي يحملها إلى العضلات وغيرها وهناك تنتقل إلى طور
جديد تصل به إلى تمام نموها. وهذا الطور هو أن تكون هذه الأجنة حويصلات
صغيرة واحدها قدر حجم الحمصة في داخل اللحم وبعد ذلك يبرز في داخل هذه
الحويصلات هنات مخروطية الشكل، كل هنة منها رأس لدودة جديدة فإذا أكل
إنسان هذا اللحم خرجت هذه الرؤوس من حويصلاتها وعلقت بالغشاء المخاطي
للأمعاء وكونت كل واحدة دودة طويلة تامة النمو وتسبب من وجودها في الأمعاء
أعراض كثيرة فيحصل للمصاب بها مغص أو قيء وربما صار نفسه كريه الرائحة
ويصاب بالإقهاء (فقد شهوة الطعام) أو النهم الشديد وقد يصاب بآلام في رأسه أو
دوار أو إغماء ويشعر بضعف عام في جسمه وتضطرب أفكاره وأحيانا تنتابه
نوبات صرعية وتشنجات عصبية قوية. وليس هذا كل الضرر الذي ينشأ عن هذه
الدودة، بل هناك خطر آخر عظيم وذلك أن بعض الأقسام قد يتلف وهو في الأمعاء
فيجرح البويضات مع البراز، فإذا أصابت ملابسه أو يده أو غير ذلك ووصلت إلى
معدته أثناء أكله أذاب العصير المعدي قشورها وخرجت الأجنة وتطورت بذلك
الطور الذي ذكرناه في الخنزير فتتكون الحويصلات المذكورة سابقا في أعضائه،
وكثيرا ما تصيب عينه فتتلفها أو بعض أجزاء مخه فتفسدها وتبطل عملها،
فيحصل له شلل في بعض أعضائه أو غير ذلك مما يتسبب عن إصابات جوهر المخ
وقد تصيب أعضاء أخرى فتعمل فيها ما عملته في العين والمخ ويصير الإنسان منبعا
لعدوى غيره فإذا صافح آخر وانتقلت إليه البويضة تعمل فيه ما عملته في الأول.
وكثيرا ما يتخلى أهل الأرياف وغيرهم في المزارع أو في مياه الشرب فتنقل بسبب
ذلك الحويصلات إلى أناس كثيرين، ولولا الخنزير لما أصاب الإنسان شيء من
ذلك فإنها لا توجد في حيوان يؤكل سوى الخنزير، وقد توجد في الكلب أيضا
والقرد.
واعلم أنه لا توجد دودة تتم طور الحويصلات في الإنسان سوى هذه وأخرى
نذكرها فيما بعد وحويصلات هذه الدودة تقاوم الحرارة في درجة 60 سنتجراد نحو
نصف ساعة على الأقل إذا كانت توجد في داخل لحم الخنزير وهو موصل رديء
للحرارة فإذا غلي الماء الذي حوله أثناء الطبخ حتى صارت درجته 100 فلا تصير
درجة ما في داخل اللحم 60 أو 70 إلا بعد زمن ثم ترتفع شيئا فشيئا حتى تصير
100 ولهذا تجد أن كثيرا من الأوربيين مصابون بها وذلك لصعوبة قتلها بالحرارة
وكلما ازداد الإنضاج للثقة بقتلها عسر هضم اللحم لتجمد المواد الزلالية.
هذا ولما كان اختيار أخف الضررين هو الواجب عند الاحتياج إلى ارتكاب
أحدهما - ولا يخلو لحم من مضار - وجب أن نختار ما هو أخف أذى، قلت ذلك
لأن الحيوانات الأخرى المأكولة كالضأن أو غيره لا تخلو من ديدان أخرى شريطية
كالسابقة. من ذلك دودة (تينيا ساجنيتا) التي توجد حويصلاتها في البهائم التي تؤكل
ولكن هناك فرقا بين هذه وتلك لأن الحويصلات في هذه إذا وصلت إلى معدة
الإنسان وتكونت منها الدودة التامة وفيها البويضات فلا يمكن إذا ازدرد الإنسان
البويضات ثانيا أن تكون طور الحويصلات فيه مطلقا؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا دودة
الخنزير وبذلك يكون الإنسان مطمئنا على عينه وعلى مخه وغير ذلك من الأعضاء
الرئيسة ولا يكون منبعا لعدوى غيره وذلك لأن هذه البويضات يلزم لها حيوان آخر
غير الإنسان حتى تتم طور الحويصلات فيه وبعد ذلك تنتقل منه إلى الإنسان فتكون
في أمعائه الدودة التامة البالغة النمو.
وفي الحقيقة إن أعظم الأخطار هو تكون الحويصلات في أعضاء الإنسان
الرئيسة وأما في الأمعاء فربما لا ينشأ عنه شيء مضر به وإذا حصل بعض
الأعراض التي ذكرت كالقيء والإسهال والصداع فإزالة الدودة بكثير من الأدوية
سهل جدا، ولكن إزالتها وهي في طور الحويصلات من المخ وغيره عسير بل
مستحيل. ويا ليت هذا هو ضرر الخنزير الوحيد؛ بل هناك مضار أخرى فاسمع
الغرائب الآتية:
(الثاني)
كثيرا ما يأكل الخنزير الفيران الميتة التي كثيرا ما تكون عضلاتها محلا لأجنة
دودة تسمى (تريكينا اسبايرالس) أي الشعرة الحلزوينة؛ لأنها دقيقة جدا وملتوية
على شكل حلزوني فإذا وصل هذا اللحم إلى معدة الخنزير هضم وخرجت
الأجنة من أغشية الأمعاء المخاطية وتصل إلى عضلات الخنزير فإذا أكلها إنسان ولم
يكن قد عرضها بالطبخ لحرارة كافية لإماتتها نمت في أمعائه إلى أن تلد أجنة كثيرة
تنفذ إلى عضلات الإنسان وخصوصا عضلات التنفس وكذلك القلب، وحينئذ
يصاب بمرض شديد فترتفع حرارته ويعتريه إسهال وقيء وتلتهب جميع عضلاته
فلا يقدر على تحريكها ويصير لمسها مؤلما فلا يمكنه أن يمضغ أكله فيمتنع عنه
ويصعب عليه أن يتنفس لالتهاب عضلاته، ولا يقوى على تحريك عينيه وبعد ذلك
يحصل له ارتشاح في جميع جسمه فيرم وتسرع حركات نبضه وحركات تنفسه
بطيئة جدا حتى يموت! وهذه الأعراض لا يمكن علاجها مطلقا؛ إذ لا يمكن إزالة
هذه الديدان من عضلاته بعد تحصنها فيها.
وهذا المرض كثيرا ما يحصل في البلاد الأوروبية بسبب أكل هذا اللحم
المشئوم ولا يتسبب عن أكل لحم سواه كالضأن وغيره لأنها لا تأكل الفيران الميتة
إلا إذا ألقي في غذائها أو وقع فيه بالاتفاق وأكلته بالتبع له، فحينئذ تصاب بما
يصاب به الخنزير، ولكن هذا نادر جدا، والنادر لا حكم له، بخلاف الخنزير؛
فإن حبه للفيران الميتة يوقعه في ذلك مرارا عديدة، ولعل هذا السبب أيضا هو أحد
الحكم في تحريم لحوم الحيوانات التي تأكل اللحم لأنه عرضة للإصابة بهذا المرض
كثيرا.
(الثالث)
لحم الخنزير هو أعسر اللحوم هضما باتفاق، وذلك لأن أليافه العضلية
محاطة بخلايا شحمية عديدة أكثر من الحيوانات الأخرى المباح أكلها وهذه الأنسجة
الدهنية تحول دون العصير المعدي فلا تسهل عليه هضم المواد الزلالية للعضلات
فتتعب المعدة ويعسر الهضم ويحس الإنسان بثقل في بطنه ويضطرب القلب؛ فإن
ذرع الآكل القيء وإلا تهيجت الأمعاء وانطلق البطن بالإسهال فمن لم يتعود أكله
تعب منه كثيرا ومن تعوده وكان قوي المعدة كان الأولى له صرف قوتها في الأغذية
الجيدة النافعة وإن لم يكن قوي المعدة ناله من شر هذا اللحم ما يستحق.
والخلاصة:
أن من ابتعد عن أكله أمن من الإصابة بالدودة الوحيدة أو حويصلاتها ولم
يكن سببا في عدوى غيره وسلم من الإصابة بمرض دودة الشعرة الحلزونية، الذي
ربما فاق الحمى التيفودية، فإنه من أصابه لا يرجى شفاؤه ولا بد من موته - وحفظ
معدته من التعب وعسر الهضم وأسباب القيء والإسهال وضعف تغذية الجسم إلى
غير ذلك من المضار التي سبق شرحها.
أما اللحوم الأخرى فإنها أسهل هضما ولا يتسبب عنها عادة مرض الشعرة
الحلزونية ولا حويصلات في أعضائه الرئيسة يتلفها وإن نشأ عنه دودة شريطية
فعلاجها سهل ولا تحدث أعراضا مهمة. فعلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين يجب
أن نقول: لا تأكلوا لحم الخنزير فإنه رجس وكلوا غيره مما أبيح شرعا.
الدين الإسلامي لم يأت لإصلاح الروح فقط بل لإصلاح الروح والجسم معا
فأتى بما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا وأنفسنا وأبداننا ولم يترك ضارا لأحدهما إلا ونبه
عليه تصريحا أو إجمالا على حسب شيوعه وعدمه بين الناس، فلو ترك التكلم في
المأكولات ونحوها لما كان مرشدا للأنام في جميع أحوالهم الضرورية، فلو لم يحرم
لحم الخنزير مثلا لمضى زمن طويل حتى يهتدي الناس إلى ضرره. ولو اهتدى
إليه بعض الأمم لما علمه فيها إلا الخاصة فقط ويمضي الزمن الطويل حتى تعلمه
العامة ولو علمته العامة لما قويت على ترك ما اعتادته وعهدت اللذة فيه بخلاف
الأمر الديني فإن كل الأمم المؤمنة به تخضع له في أقرب وقت، تخضع له العامة
كما تحترمه الخاصة ويعمل في نفوس الجميع ما لا يعمله قول الخطباء ولا نصح
النصحاء؛ ولذلك تجد أن شرب الخمر في أوروبا شائع بين سائر الطبقات وكل
يعلم ضرره ومع ذلك لا يمتنعون عنه لا بقول خطيب ولا بقول عالم، فكم خطبت
الخطباء ونصحت العلماء ولكن أين من يسمع؟ ! فلو لم يكن للدين التأثير الأقوى
في أهل الشرق لفاقوا أهل الغرب في الشرب وسبقوهم في تربية الخنزير وأكله
ولولا أنهم أخذوا يقلدونهم الآن لما وجدت بينهم شارب خمر ولا آكل خنزير إلا
نادرا ولما سمعت بمرض مما ينشأ عنهما فيهم. فأي إنسان يمكنه الآن أن يعترض
على الدين ويقول: (ما له يتكلم في المأكول والمشروب؟ !) وفاته أنه لم يأت إلا
للإصلاح العام في كل ما يمكن إصلاحه. فلم يتكلم في العقائد فقط بل في المعاملات
أيضا وكما أمر بإصلاح القلب وطهارته أمر بحفظ صحة الجسم ونظافته، فأنعم به
من دين جمع فأوعى وأحكم به من صراط سوي مستقيم.
بقي علينا أن نتكلم في نجاسة الكلب، لا نقول: إن السبب في ذلك هو أنه
عرضة للإصابة بداء الكلب فإن هذا الداء لا يصاب به الكلب وحده بل قد تصاب به
الهرة والبقرة والحصان وغيرها، ومتى أصيب الكلب به عرفه الناس وقتلوه فإنه
متى أصيب به شل سريعا عن الحركة وسهل قتله ومجرد لمسه في هذه الحالة لا
يعدي بل لا بد من العض ودخول لعابه في جلد الإنسان. فلماذا يعتبر الكلب نجسا في
جميع أحواله ولا تعتبر البقرة والحصان كذلك؟
السبب في ذلك ما يأتي: في أمعاء أكثر الكلاب دودة شريطية صغيرة جدا
طولها 4 ملليمترات تسمى (تينيا إيكينوكوكس) فإذا راث الكلب خرجت البويضات
بكثرة في الروث فيلصق كثير منها بالشعر الذي بالقرب من دبره فإذا أراد الكلب أن
ينظف نفسه بلسانه كما هي عادته تلوث لسانه وفمه بها وانتشرت في بقية شعره
بواسطة لسانه أو غيره، وهذا ما يحصل في كل نوبة وبتكراره يصير جميع سطح
جسمه ملوثا بهذه البويضات كما شوهد ذلك بالنظارات المكبرة.
فإذا ولغ الكلب في إناء أو شرب ماء أو قبله إنسان كما يفعل الإفرنج أو لمس
جسده بيده أو بلباسه علقت بعض هذه البويضات بتلك الأشياء وسهل وصولها إلى
فمه أثناء أكله أو شربه فتصل إلى معدته، وتخرج منها الأجنة فتثقب جدر المعدة
وتصل إلى أوعية الدم فتصل إلى أعضاء الجسم الرئيسة وغيرها وهناك تتم طور
الحويصلات، ولكن هذه الحويصلات كبيرة فتسمى هنا أكياسا وهي تصيب الكبد
كثيرا وأحيانا تصيب الأعضاء الأخرى كالمخ والقلب والرئة، ووجود هذه الأكياس
يحدث أعراضا عديدة فما يصيب منها الكبد قد يولد استسقاء زقيا بضغطها على
الوريد البابي أو يرقانا وقد يتقيح السائل الذي في قلب الكيس ويولد خراجا في الكبد
وربما انفتح هذا الخراج في تجويف البريتون فينشأ عنه التهاب بريتوني حاد
فيموت الشخص بسببه وإذا انفتح في تجويف البلوري تسبب عنه التهاب مع
انسكاب. إلى غيره ذلك من المضار، وإذا حصل هذا الكيس في المخ نشأ عنه صداع
شديد وقيء متوال وفقد شعور وإحساس وتشنجات وشلل بعض الأعضاء على
حسب موضعه من المخ وإذا أصاب القلب ربما كان سببا في تمزقه فيموت الشخص
في الحال.
كل ما قلناه ليس تخيلات شعرية ولا تصورات وهمية؛ بل هي أشياء شاهدها
أطباء أوربا في بلادهم وعلموا سببها بالحس والمشاهدة. ونصحوا للناس بالابتعاد
عن الكلب ولكن أين من يسمع ولا أمرا دينيا يعتقد عندهم، فينهاهم؟
هذا ولما كان تمييز الكلب المصاب بهذه الدودة من غيره عسير جدا لأنه
يحتاج إلى زمن وبحث دقيق بالمنظار المكبر الذي لا يعرف استعماله إلا قليل من
الناس - كان اعتبار الشارع إياه نجسا هو عين الحكمة والصواب، فتبتعد الناس عنه
وتأمن من شره.
فالحمد لله الذي جعل ديننا هاديا لنا في جميع أمورنا وأيده ويؤيده كل يوم
بالبراهين الحسية حتى يتضح للناس أن الدين عند الله الإسلام ويظهر تأويل قوله
تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف
بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت: 53) .
... ... ... ... ... ... ... ... م. ت. ص
... ... ... ... ... ... ... ... أحد طلبة الطب بمصر
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>