سادتهم ولما كان يتوسم في ما لديه أنهما يعدانه؛ لأن يكون من العلماء ويكفيانه بذلك
مؤنة الاشتغال ببعض الأعمال التي من شأنها أن توسخ يديه أو تقذر وجهه كان
رأيه في هذه الأعمال لا بد أن ينتقل إلى من يقارفونها من الناس فيحكم عليهم
بحكمه عليها وبذلك لا يكون إلا كثير الانسياق إلى احتقار جميع الصناع والرزاية
عليهم.
صممت أنا وهيلانه على تكليف (أميل) بعمل كل ما يلزم لفراشه وهجرته
وثيابه ولا أكره مطلقا أن أراه يمسح نعليه ويسوي عند الحاجة طعامه، فإن الفائدة
التي تعود عليه من ذلك ليست قاصرة على كونه يتعلم عدم امتهان من يكسبون
قوتهم بمثل هذه الأعمال، بل إن فيه أيضا تنمية لحريته الشخصية على الاستغناء
عن مساعدة غيره، فالأسير المسكين من يعجز عن خدمة نفسه. اه
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) معرب من باب تربية اليافع من كتاب أميل القرن التاسع عشر.
(2) موليير هو أكبر شاعر قصصي فرنساوي ولد في باريس سنة 1633 ومات في سنة 1673 مسيحية.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الاحتفال السنوي بمدرسة الجمعية الخيرية
وخطبة المفتي
في أصيل يوم الجمعة 21 ربيع الأول احتفل في قبة الغوري الاحتفال السنوي
المعتاد بمدرسة الجميعة الخيرية الإسلامية في القاهرة، وقد أجاب دعوة رئيس
الجمعية الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية والجم الغفير من
الفضلاء والوجهاء حضروا الاحتفال، ابتدأ أحد التلامذة بترتيل آيات من
سورة الفتح، ثم ارتقى أحد التلامذة الدكة التي يختبر عليها التلامذة فأعطي كتابا
ففتحه وقرأ فيه جملة صالحة قراءة صحيحة فسأله الرئيس بيان معناها فبينه، ثم
اختبر آخرون بالإعراب وبالحساب وبرسم خريطة أفريقيا وبالتاريخ الطبيعي ككيفية
الدورة الدموية وقرأ بعضهم مقالات محفوظة في فوائد الصوم وفوائد التربية وغير
ذلك فأحسنوا جميعا وصفق لهم النادس مرات متعددة.
وأنكر الأستاذ الشنقيطي التصفيق على القوم لأنه بدعة فتركه بعضهم
وأصر عليه الأكثرون؛ لأن بعضهم يراه من العادات المباحة التي اقترن بها تنشيط
التلامذة وإدخال السرور على قلوبهم وبعضهم لم يصل إليه الإنكار.
وكان الرئيس كعادته يناقش كل تلميذ فيما يقول ويطلب منه التعبير عما
قاله حفظا بعبارة أعرفية. ثم وزع الجوائز وهي على ما ذكرنا في السنة
الماضية، قسمان أحدهما ريع المال الذي جمع لإقامة تذكار لعلي باشا مبارك لخدمته
المعارف في مصر والثانية تبرع الأستاذ الشيخ عبد الرحيم الدمرداش فهذا وزع على
نفر من الناجحين في المدرسة، وأما الأول فاستقر الرأي على أن يشترى به كل
عام كتب نافعة تعطى للتلميذين اللذين يفوقان سائر التلامذة ممن أتموا المدة بشرط أن
يشتغلا بعد المدرسة بتعلم صنعة من الصنائع وكذلك كان. وبعد ختم الاحتفال بترتيل
أحد التلامذة آيات من الكتاب العزيز وقف رئيس الجميعة فشكر للحاضرين سعيهم في
الخير لمشاهدة أولاد الفقراء المتعلمين ثم قال ما معناه ملخصا:
لا بد أن يكون بعض الحاضرين ممن يشتغلون بعلم التربية ينتقد علينا شيئا،
أنا أوافقهم على انتقاده قبل أن أذكره وأجيب عنه، وهو أن يحفظ التلامذة مقالات
في الدين والأدب كالذي سمع منهم الآن فيها من الحكم والمعاني العالية مما لا ترتقي
عقولهم إلى الإحاطة به وما تعجز ألسنتهم عن بيانه بغير العبارة المحفوظة. أعيد
القول بأن هذا الانتقاد صحيح وأن حشو الأذهان بحفظ ما لا يفهم يفسدها ويذهب
باستعداد العلم منها. ومدارس الجمعية تهتم بهذا الأمر فنحن نؤكد دائما على أن
المعلمين أن لا يعلموا التلامذة كلاما لا يفهمونه والعمل على هذا والتفتيش من ورائه
لتحقيقه.
وأما ما سمعتم فقد جاء من باب الاستثناء لغرض صحيح يوافقنا عليه