الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
شبهات النصارى
وحجج المسلمين
النبذة الخامسة
في رد شبهاتهم على القرآن العزيز
(الشاهد الحادي عشر) : قال المعترض - الذي كتب ما لا نعتقد -: وعد
في جملة هذه المنقاضات مائة وخمسا وعشرين آية متفرقة في ثلاث وستين سورة
منه تأمر بالصفح والتولي والإعراض والكف عمن لم يكن مسلما، وقد نقضتها كلها
آية السيف وهي قوله في سورة التوبة: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} (التوبة:
5) (قال) : وهذا في زعمهم كلام الله يأمرهم في مائة وخمسة وعشرين موضعا
من (كتابهم) بالصفح عمن خالفهم في الدين، ثم يبطل ذلك كله اعتباطا، ثم هذى
بعد ذلك بما يعد شتما، لا اشتباها فنعرض عن ذلك عملا بإحدى تلك الآيات التي
أشار إليها ونخص الكلام بدفع الشبهة فنقول:
نعوذ بالله من الغلو في التعصب الذي يعمي ويصم ويوقع المرء في مثل
الفضيحة التي وقع فيها هذا الكاتب المعترض، فقد جمع آيات الفضائل العالية
والآداب السامية، وحسد المسلمين عليها، ولم يجد سبيلا إلى الاعتراض عليها إلا
بزعمه أنها منقوضة بآية سيف، والتناقص إنما يكون في القضايا الخبرية، لا في
الأوامر والنواهي التهذيبية، ونحوها من الجمل الإنشائية، وإذا قيل: إنه لا يعني
بالتناقض ما هو مقرر في علم المنطق وإنما يعني به أن آية السيف التي ذكرها
تنافي تلك الآداب والفضائل نقول: إن هذا زعم باطل، وكأن قائله شعر بضعفه
وتداعيه، فدعمه بأكذوبة افتراها من عنده إذ زعم أن الأمر بقتال المشركين كان
(اعتباطا) أي: ظلما لا قصاصا ولا مدافعة عن حق. وأصل الاعتباط ذبح البهيمة
من غير علة، وقالوا: اعتبط فلانا: أي قتله ظلما لا قصاصا. يزعم هذا المتعصب
أن المسلمين هم الذين اعتدوا على المشركين وحاربوهم ابتداء وتناسى أن المشركين
هم الذين كانوا يرمون النبي عليه الصلاة والسلام بالحجارة، ويلقون عليه فرث
الكرش وهو يصلي وأخرجوه هو ومن آمن معه من ديارهم وأموالهم وأهليهم، وكانوا
يوقعون بكل من ظفروا به منهم. ثم لما كانت بينه وبينهم معاهدة الحديبية عاملهم
بكل ما تأمر به تلك الآيات من الحلم والتساهل، وهو قوي لا ضعيف حتى رضي
بأن يرجع إليهم من يجيئه منهم مسلما، وأن لا يرجعوا من يجيبهم من عنده، وبعد
ذلك كله كانوا هم الغادرين الناكثين للعهد، وتناسى أيضا الآية التي قبل الآية التي
أوردها وزعم أنها هدمت جميع الفضائل (اعتباطا) وهي قوله عز وجل: {إلا
الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا
إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} (التوبة: 4) وقوله تعالى - بعد
آيات - {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم
لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم
بدءوكم أول مرة 000} (التوبة: 12-13) . فالمعترض قد قرأ كل هذه الآيات
التي تحيط بالآية التي ذكرها من أمامها وورائها، وعلم أن المشركين هم الذين
نكثوا، العهد وهم الذين بدأوا المسلمين بالعدوان، وهو مع هذا كله يكتب بلا حياء ولا
خجل زاعما أن المسلمين قاتلوهم (اعتباطا) .
ثم إنه تناسى الآيات الأخرى التي تنهى عن الاعتداء في القتال كقوله تعالى:
﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ (البقرة: 190) وقوله جل وعز وهو أول ما نزل في الإذن بالجهاد دفاعا عن الحق
والأنفس التي تظلم وتهان لأنها تمسكت به، وتركت عبادة الأصنام والأوثان وذلك
قوله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير *
الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله 000} (الحج: 39-
40) الآيات وفيها من بيان حكمة هذا الإذن بمدافعة أولئك المعتدين من عباد الأصنام
أنه لولا هذه المدافعة لهدمت معابد أهل الكتاب كلهم، وأنه يشترط على المؤمنين
المأذون لهم بالمدافعة - إذا مكنهم في الأرض - أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة
مواساة للفقراء ونحوهم من المستحقين، ويمنعوا المنكرات الضارة، ويأمروا
بالمعروف. فهل تعد هذه المدافعة لعباد الحجارة الباغين المتعدين هدما للفضائل
وظلما للعباد، ويمتنع أن تكون بوحي من الله تعالى؟ وهل كانت المسوغات لموسى
ويوشع وسائر أنبياء بني إسرائيل (عليهم السلام) حين حاربوا الأمم المشركة أظهر
من هذه المسوغات؟ وهل اشترط عليهم - كما اشترط الإسلام - أن لا يبدأوا بالعدوان
ولا ينقضوا لمشرك عهدا، وأن يصلحوا في الأرض بمشاركة الناس في أموالهم
وإزالة المنكرات من الأرض؟
جاء في الفصل العشرين من سفر تثنية الاشتراع (التوراة) ما نصه: (10
حين تقرب من مدينة لتحاربها استدعها إلى الصلح 11 فإن أجابتك إلى الصلح
وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك 12 وإن لم
تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها 13 وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب
جميع ذكورها بحد السيف 14 وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل
غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك 15 هكذا تفعل
بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا 16 وأما مدن
هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما) أليس من
العار والفضيحة على من يعتقد أن هذا وحي من الله تعالى أن ينكر تلك الآيات
الكريمة الرحيمة التي أذنت بمدافعة المعتدين بقدر الضرورة؟ أليس من رحمة الله
تعالى بعباده أن تنسخ هذه الأحكام القاسية الآمرة بإهلاك الأمم التي لها حق الجوار
حتى لا يبقى منها امرأة ولا طفل بشريعة تحرم قتل النساء والأطفال ورجال الدين
وكل من لا يعتدي ولا يقاتل؟ بلى ولكن تعصب هؤلاء ووقاحتهم من المدهشات!
علم مما ذكرناه أن الآية التي ذكرها وسماها آية السيف وزعم أنها نقضت
جميع الفضائل التي بنتها الآيات الكثيرة؛ إذ أمرت بقتل المشركين (اعتباطا)
تتقدمها آيات، وتتلوها آيات تبطل ما زعم. وما هي إلا إذن بقتال المشركين الذين
نكثوا العهد كما في الآيات التي قبلها وبعدها. وذلك أن المسلمين عاهدوا مشركي
العرب من أهل مكة وغيرهم عهدا فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة، فأمر الله تعالى
بأن ينبذ للناكثين عهدهم ويمهلوا أربعة أشهر إلى آخر المحرم من الأشهر الحرم، فإن
تابوا وإلا قوتلوا، قال البيضاوي في تفسير الآية ما نصه - مع اختصار قليل
يتعلق بالألفاظ -: (فإذا انسلخ) : انقضى، (الأشهر الحرم) التي أبيح للناكثين أن
يسيحوا فيها (فاقتلوا المشركين) : الناكثين، (حيث وجدتموهم) من حل وحرم
(وخذوهم) وأسروهم؛ والأخذ: الأسر (واحصروهم) واحبسوهم أو حيلوا بينهم
وبين المسجد الحرام (واقعدوا لهم كل مرصد) كل ممر لئلا يتبسطوا في البلاد.
ا. ه. فأين الأمر بقتل جميع المشركين ظلما وعدوانا كما زعم المعترض؟ !
وروى أصحاب الصحاح وأهل السير والتاريخ أن رسول الله صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم عاهد قريشا عام الحديبية عهدا كاد يخالفه لأجله المسلمون لما رأوا
من الغضاضة عليهم في تساهله مع المشركين، وكان أهم ما في العهد أن يضعوا
الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعة في عهده، وبنو بكر في عهد
قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح حتى
تظاهروا عليهم، وفي ذلك يقول عمرو الخزاعي فيما أنشده يخاطب به النبي صلى
الله عليه وآله وسلم:
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي من كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالحطيم هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا ...
وقد كان هذا الغدر سببا في فتوح مكة، وآذنهم قبل ذلك بأن لا يطوف بالبيت
عريان، وأن يتم لكل ذي عهد عهده، وأرسل أبا بكر ثم عليا إلى مكة فقرأ عليهم
نحو أربعين آية من صدر سورة (براءة) وفيها الآيات التي تقدم ذكرها. ثم كيف
كانت معاملته للمشركين عندما فتح مدينتهم العظمى؟ هل أبادهم كما أمرت التوراة
التي يعتقد بها المعترض النصراني فلم يبق منهم نسمة، أم عاملهم بما أرشدته إليه
الآيات ال 125 الآمرة بالصفح وحسن المعاملة؟ كان رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم قد أعطى رايته سعد بن عبادة فبلغه أنه قال قبل أن يصلوا إلى مكة: اليوم يوم
الملحمة اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا، فأمر بنزع الراية منه وأعطاها
لابنه، وقال عليه الصلاة والسلام: (اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشا) ودخل مكة لم يسفك دما، وإنما كانت ساعة قتال بين خالد بن الوليد وبين الذعر من
قريش الذين حاولوا صده فقتل من جيشه اثنان، ومن المشركين أربعة وعشرون. ثم
دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الكعبة فاجتمع الناس فقال: (يا
معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ !) قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال:
(اذهبوا فأنتم الطلقاء) ! أفيرى المعترض أن هذه المعاملة مناقضة للرفق والصبر
والصفح عن المخالفين في الدين؟ إن كان يرى ذلك فليصور لنا معاملة أفضل منها
وأرحم!
ثم إننا نعود إلى آيات الصفح والصبر وحسن المعاملة والرفق والحلم فنقول:
إنها وردت في ضروب من السياق مختلفة، منها تسلية النبي صلوات الله عليه
عندما كان يضيق صدره لإعراض الناس عن الحق وعدم إصغائهم إليه. ومنها
تقبيح جهلهم وبيان أن الكمال في الإعراض عنه لا في مقابلته بمثله. ومنها بيان أن
الأنبياء عاجزون عن هداية الناس بالفعل، وأن القادر على ذلك هو الله تعالى الذي
وضع السنن على أساس الحكمة والنظام. ومنها بيان أن وظيفة الأنبياء البيان
وحسن التبليغ وأن الإيمان لا يكون بالإكراه، وإنما يكون بالإقناع، وهذا قريب مما
قبله ولكنه غيره. كقوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (الطور: 48)
وقوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ (الأعراف: 199)
وقوله: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون﴾ (الزخرف: 89) وقوله:
﴿فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر﴾ (الغاشية: 21-22) وقوله:
﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ (ق: 45) وقد كانت هذه الآيات تقرن بآيات أخرى
تشعر بأن الله ينصر رسوله، ويجعل العزة والغلبة لحزبه، كقوله تعالى في سورة
الصافات وهي مكية: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون
* وإن جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين * وأبصرهم فسوف يبصرون} (الصافات: 171-175) وإنك لتجد من التهديد والوعيد في السور المكية التي
نزلت في زمن الضعف ما لا تجد مثله في السور المدنية التي نزلت في زمن القوة،
والمعترض يوهم خلاف ذلك، وما أراه إلا متعمدا للإيهام إذ لم يبلغ به الجهل أن
يعتقد بما يقول، ولكن بلغ به التعصب أن يقول ما لا يعتقد!
أما زعمه أن المسلمين لما رأوا التناقض في هذه الآيات زعموا أنها منسوخة
فباطل، فإن أحكامها ثابتة، وكان العمل عليها لم ينقطع بالقتال الذي كان للضرورة
وبمقدار الضرورة مع الرحمة والعدل ورعاية حقوق الإنسان بقدر الإمكان. وقد علم
مما أشرنا إليه من الشواهد أن الآيات الآمرة بالصفح والتولي عن المشركين لجهلهم
على العموم لم يترك العمل بها، وأما ما كان متعلقا بالمدافعة والمقاومة فقد كان موقتا
كقوله تعالى: ﴿فتول عنهم حتى حين﴾ (الصافات: 174) وقوله: {فاعفوا
واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} (البقرة: 109) ، نعم إن من المؤلفين من زعم
أن هذه الآيات منسوخة بآية السيف، وقد رد العلماء المحققون هذا القول وأنكروه كما
يعلم من كتاب (الإتقان) ومن كتب التفسير.
والذي يحمل المؤلفين على أمثال هذه الجهالة هو حب الإعراب وملء
الصحائف، فإن الرجل يخطر في باله أن يؤلف كتابا في موضوع ضيق لا تتسع
مسائله لأن تكون كتابا فيدخل فيها ما ليس منها لأدنى شبهة. وقد حقق الإمام
الشوكاني أن الآيات المنسوخة سبع لا تزيد، وكان الحافظ السيوطي عدها عشرين.
ومن العلماء المحققين من ينكر النسخ في القرآن دون السنة، ويفسر الآيات التي قالوا
بنسخها تفسيرا يبين به أحكامها. والنسخ في كتب اليهود والنصارى - التي يسمون
مجموعها (الكتاب المقدس) - كثير جدا وقد عقد له الشيخ رحمه الله في كتاب
(إظهار الحق) بابا أورد فيه الشواهد الكثيرة من تلك الكتب.
وربما يستغرب القارئ إحصاء هذا المعترض النصراني لهذه الآيات، ويتوهم
أنه قرأ القرآن واستخرج منه ما تقدم. والأمر ليس كما يظن وإنما استخرج هو
وأمثاله جميع مطاعنهم من كتب المسلمين كالإتقان والناسخ والمنسوخ، فإنك ترى في
الإتقان فصلا في مشكل القرآن وموهم التناقض فيه، فالخصم يأخذ ما يوهم التناقض
من هذه الكتب فيسميه متناقضا ليسر به قومه ويشكك المسلمين ويشفي غليل تعصبه
منهم.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>