تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غرة رمضان - 1321ه

20 نوفمبر - 1903م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

حكمة الصيام وفضل رمضان

(1) قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الصيام جنة) ، أي وقاية، رواه

الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة والترمذي عن معاذ وروياه مع ابن ماجه عن

عثمان بن أبي العاص بلفظ: (الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال) ،

وفي رواية للنسائي والبيهقي عن أبي عبيدة: (الصيام جنة ما لم يخرقها) ، وزاد

الطبراني في الأوسط: (بكذب أو غيبة) ، وقد روى الحديث غيرهم من طرق

أخرى.

والمعنى أن الصوم سبب للوقاية من النار كالجنة تكون سببا للوقاية من الطعن

والضرب ما لم تخرق، وإنما كان الكذب والغيبة - وهي ذكر الناس بما يكرهون -

أن يذكروا به خارقين لجنة الصيام؛ لأن الغرض من الصيام تعويد النفس على ترك

المعاصي والشهوات المحرمة، فإن من يترك المباح له في الأصل - كالأكل

والشرب والملامسة الخاصة بينه وبين امرأته، وهو متمكن من فعل ذلك في كل

وقت يعن له وإنما يتركه امتثالا لأمر ربه وعملا بما فرضه من وسائل تأديبه - كان

جديرا بأن يتمكن من ترك المحرم عليه في الأصل، إذا اشتهى أن يصيب منه.

فالصيام يزيد في الإيمان بالله تعالى؛ لأن هذه المباحات التي يجب تركها فيه

هي التي يحتاجها الإنسان دائما، وتعرض له في كل وقت، فهو لا يتركها إلا

امتثالا، وهي تذكره في كل وقت بالله تعالى؛ فيزداد مراقبة له، واتقاء لمخالفته،

حتى يملك نفسه، ويضبط نزعاته الشهوية بالتكرار الذي يطبع الملكات في النفوس،

كما شرحنا ذلك في بعض المجلدات السابقة من النار.

سألني أحد الإفرنج: هل تصوم رمضان كله، فلا تفطر فيه جهرا ولا سرا؟

فقلت: نعم، إنني أصومه، وكم زدت عليه من صيام التطوع. قال: وهل تظن

أن الله يكون مسرورا ومبسوطا من تركك الأكل والشرب ويغتاظ إذا أكلت؟ فقلت:

إن ديننا ليس كالأديان التي تعرفها، يجعل العبادة تعذيبا للنفس بزعم أن الله يحب أن

يحرج نفوس الناس ويعنتهم كما يفعل الملوك الظالمون وإنما يعلمنا ديننا بأن الله

تعالى لم يجعل علينا في الدين من حرج ويمن علينا بأنه لو شاء لأعنتنا ولكنه لم

يفعل لأنه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا ويرشدنا إلى أنه ما فرض علينا شيئا إلا

لمنفعتنا وما حرم علينا شيئا إلا لأنه يضرنا وقد ورد في الحديث القدسي: (يا

عبادي لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني..) إلخ، فهذا الصيام

نافع لنا؛ لأنه يربي لنا ملكة الحكم على أهوائنا وشهواتنا فلا يصعب علينا مع هذه

الملكة أن نترك المعاصي المضرة ...

قال: إننا نعهد أن الذي يمنع من شيء يكون بعد زوال المنع أشد ولوعا وأكثر

ضراوة به وإنني أعرف في بلادنا كثيرا من الناس ربوا أولادهم على المنع من

القبائح كالسكر والزنا والقمار وما هو أهون من ذلك، فلما زالت عنهم سلطة المنع

كانوا أشد الناس انغماسا في الشهوات، وأكثرهم ارتكابا للموبقات، فقلت: نعم إن

هذا أمر طبيعي فإن الذي يمنع بالقهر والإلزام عما يحبه ويشتهيه يزداد ميلا إليه

وحبا فيه، وقد قال الشاعر العربي:

منعت شيئا فأكثرت الولوع به ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

ولكن المنع من الأكل ونحوه في الصيام ليس منع قهر وتحكم؛ وإنما هو

امتناع اختياري عن اقتناع واعتقاد بأنه خير ونافع وسبب من أسباب السعادة ولولا

ذلك لما صام الصائم، إذ يتمكن كل أحد من الإفطار سرا إذا كان يستحي من الناس

أن يفطر جهرا. ولهذا المعنى كانت تربية القسوة والقهر ضارة ومفضية إلى الإفساد

وكانت التربية الدينية الإسلامية المبنية على الاعتقاد والاقتناع هي التربية النافعة

التي لا ضرر فيها، وإننا نرى الأولاد الذين يربون بالقسوة والحكم القاهر أذل

الناس نفوسا وأفسدهم أخلاقا وكذلك نرى تأثير الحكومات المستبدة القاسية في

الرعية تفسد بأس الأمة وتهبط بأخلاقها وآدابها إلى أسفل سافلين.

وقد لاحظ الفيلسوف العربي ابن خلدون هذا المعنى فعقد له فصلا في مقدمته

واستشهد له بإنكار عمر بن الخطاب رضي الله عنه على سعد بن أبي وقاص قائد

جنده في حرب الفرس معاملة أحد الشجعان بالقهر، حين أخذ سلب قتيل قتله بدون

إذنه، واحتج عمر على سعد (رضي الله عنهما) بأن ذلك يفسد بأس ذلك

الشجاع ... قال محدثي بعد تمام الحوار: إن كل ما ذكرته صحيح.

وأزيد الآن - وإن أطلت في شرح الحديث بما ليس من موضوع الصوم -

عبارة ابن خلدون في المثال الذي أوردته قال بعد ذكر عزة الذين يساسون بالرفق

والعدل: وأما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من

سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما

نبينه. وقد نهى عمر سعدا رضي الله عنهما عن مثلها لما أخذ زهرة بن حوبة سلب

الجالنوس (سلب القتيل بالتحريك ما معه من سلاح وغيره) ، وكانت قيمته خمسة

وسبعين ألفا من الذهب وكان اتبع الجالنوس يوم القادسية فقتله وأخذ سلبه فانتزعه

منه سعد وقال له: هلا انتظرت في اتباعه إذني، وكتب إلى عمر يستأذنه فكتب

إليه عمر: (تعمد إلى مثل زهرة، وقد صلى بما صلى به وبقي عليك ما بقي من

حربك وتكسر فوقه [*] وتفسد قلبه) ، وأمضى له عمر سلبه ثم انتقل ابن خلدون

إلى بيان كون الأحكام الشرعية لا تذهب بالبأس والمنعة؛ لأن الوازع فيها نفسي

ونقل عن عمر أنه قال: (من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله) ، حرصا على أن يكون

الوازع لكل أحد من نفسه.

(2) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن في الجنة بابا يقال له الريان

يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟

فيقومون فيدخلون منه فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) رواه أحمد والشيخان

وغيرهم عن سهل بن سعد. وقد فسر بعض أهل البصيرة الحديث وأمثاله بأن

المراد بأبواب الجنة أصول الطاعات ومجامع الخير وكأنهم أخذوا هذا من حديث

الطبراني عن سهل أيضا: لكل باب من أبواب البر باب من أبواب الجنة وإن باب

الصيام يدعى الريان، وتسميته بالريان يشير إلى ذلك. واستدل عليه الشيخ محيي

الدين بن عربي في فتوحاته بحديث ورد في أن أبا بكر يدخل الجنة من أبوابها كلها

وهو لا يعقل إلا بهذا التفسير.

(3) وقال صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: (كل عمل ابن آدم

له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا

يرفث ولا يصخب وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس

محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان

يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه) . رواه الشيخان

والترمذي من حديث أبي هريرة. ومعنى: (كل عمل ابن آدم له) أن لكل طاعة

من الطاعات لذة يجدها من أقام تلك الطاعة فللصلاة من لذة المناجاة لله تعالى ما

ليس لغيرها، ووالله إن البكاء فيها لهو ألذ عند الخاشعين من الضحك في سواها، فيا

حسرة على من حرم منها، وللزكاة لذة التفضل وعزة الغنى والسيادة، ولمناسك

الحج عمل في تحريك الشعور الديني، والتوجه إلى العالم الروحاني، يشترك فيه

الجاهل بأسراره مع العالم بها؛ ولذلك ترى العوام ينجذبون إليه كالخواص، ولا

يوجد مسلم إلا وهو يحن إلى تلك المعاهد حنين الطير إلى أوكارها، وهذه اللذة

مطردة فيما عدا الأركان من أعمال البر إلا الصوم فإنه ترك لا لذة ولا حظ للنفس

فيه لأنه أمر عدمي وأثره الوجودي هو الألم، فهو جدير بأن يتولى الله تعالى مثوبة

صاحبه بترقية نفسه في الكمال والتهذيب حتى يلقاه بقلب سليم، ويستحق جنات

النعيم، وقد مر تفسير كون الصيام جنة في شرح الحديث الأول.

والرفث المنهي عنه هو الإفضاء إلى النساء الذي يكون بين الزوجين وقيل

هو الكلام الفاحش؛ لأن ترك الأول مما لا يتحقق الصيام إلا به، والصخب

(بالتحريك) الصوت الشديد واختلاط الأصوات. وكيف لا يكون ترك الفحش

والصخب والتساب وسائر المعاصي من مهمات آداب الصوم أو شروطه مع أنه لا

يتحقق إلا بترك المباح الذي لا قبح فيه وهذه الأشياء من أقبح القبائح، ولقد أحسن

حجة الإسلام في تمثيل من يترك الأكل والشرب المباحين ويفعل المحرمات بمن

يبني قصرا ويهدم مصرا.

وخلوف الفم: تغير رائحته من الصيام والكلام كناية عن كون هذا التغير الذي

يعرض للصائم ومن شأنه أن يكون مكروها عند الإنسان هو محمودا في حكم الله تعالى

مرضيا عنده من عبده؛ لأن أثره نافع له في تهذيب نفسه الذي هو أساس سعادته.

وقيل إن ذلك يكون في الآخرة حقيقة وورد فيه حديث.

وأما الفرحتان فأمرهما ظاهر فالفرحة عند الإفطار معروفة لجميع الصائمين

وهي ليست جثمانية محضة؛ بل هي روحانية جثمانية؛ فإن الإصابة من الطعام

المباح المستلذ بعد الجوع يصحبها الشعور الروحاني بلذة إتمام العبادة ورجاء

الرضوان الإلهي؛ ولذلك نرى لطعام رمضان شأنا لا نجده لغيره في أوقات الجوع

التي تعرض لنا في غير الصيام مما ربما يزيد عن الجوع بالصيام. وأما الفرحة

الأخرى فلا تعرف حقيقتها إلا بالوصول إليها.

والله نسأل أن يسهل لنا سبيلها بالقيام بحقوق الصيام بحيث تتهذب به نفوسنا

وترتقي به أخلاقنا، وأن يهب لنا من فضله فوق ما نستحقه بأعمالنا.

(4) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به

فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه أحمد والبخاري وأبو داود

والترمذي وابن ماجه، وهو يؤيد ما قلناه في شرح الحديث السابق.

(5) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا

غفر له ما تقدم ذنبه) . رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أبي

هريرة، وفي حديث آخر: (من قام) . وقد اتفق العلماء على أن المراد بالذنوب

الصغائر أو الكبائر باعتبار قيد التوبة ورد الحقوق إلى أهلها؛ لأن هذا القيد

معروف من أصل الشريعة المتفق عليه. ونقول: إن الفقه في الحديث هو أن من

صام شهرا بباعث الإيمان واحتساب الأجر على الله تعالى - لا بمقتضى العادة

وموافقة الناس في تغيير مواعيد الأكل يجعلها في الليل بدلا من النهار - فلا شك أن

إيمانه يقوى ويزداد ونفسه تتزكى من آثار الذنوب التي يلم بها المؤمن بسبب الغفلة

عن الله تعالى. فتحل بالصيام الذكرى محل الغفلة، ويشرق النور في مكان الظلمة،

وتمحو الحسنات ما كان في النفس من أثر السيئات، فتحسن الحال، وتصلح

الأعمال، فهذا هو معنى المغفرة؛ لأن الغفر في اللغة هو الستر والتغطية ولا أبلغ

في ستر الشيء من إزالة أثره كما تزيل الحسنات السيئات. ورواية: (ما تقدم من

ذنبه وما تأخر) ضعيفة.

(6) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب

الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين) رواه الشيخان وغيرهما عن أبي

هريرة. وأبواب الجنة هي الطاعات وأبواب النار هي المعاصي كما تقدم ولا شك

أن هذه تغلق دون الصائمين وتلك تفتح أمامهم فيدخلون فيها أفواجا، ومعنى:

(تصفد الشياطين) أنه لا يكون لها سبيل للوسوسة والإغواء؛ لأن أبواب المعصية

والشهوات مقفلة لا سبيل إلى الدخول فيها. وفي رواية زيادة: (وينادي مناد: يا

باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر) وفي رواية: (أمسك) . باغي الشيء

مريده والكلام كناية عن كون حال الصيام تقتضي المزيد في الخير والإمساك عن

الشر. وسمعت الأستاذ الإمام يقول: إن شهر رمضان لا يصلح فيه عمل الدنيا؛

فينبغي للعبد أن يتخلى فيه لعمل البر ما استطاع، أو ما هذا معناه، وقد روي في

فضل رمضان أحاديث كثيرة،أكثرها بين موضوع وضعيف، وحسبك من الصحيح

ما ذكرناه.

* * *

فصل فيما يثبت به الصوم والفطر

(7) جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت

الهلال يعني رمضان فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟) قال: نعم. قال (أتشهد

أن محمدا رسول الله؟) قال: نعم. قال: (يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا)

رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عكرمة عن ابن عباس. وفي رواية لأبي داود:

فأمر بلالا؛ فنادى في الناس أن يصوموا وأن يقوموا. وفي حديث آخر عند أبي

داود: أن النبي عليه السلام اكتفى مرة بشهادة ابن عمر في الصيام. وهو حجة على

ثبوت الصوم بشهادة رجل واحد.

(8) عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه

وآله وسلم قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالله لأهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله

صلى الله عليه وآله وسلم الناس أن يفطروا. رواه أحمد وأبو داود وزاد في رواية:

وأن يغد إلى مصلاهم.

(9) قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه

فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له) رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه من حديث

ابن عمر. وفي رواية للبخاري وغيره: (الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا

حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) وفي رواية لمسلم وغيره: (الشهر

هكذا وهكذا) ، وأشار بالعقد إلى 29 و30، وفي لفظ للشيخين: (صوموا لرؤيته

فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) ، وظاهر أن الكلام في رؤية الهلال

وعدمها. ومعنى اقدروا له: احسبوا وقدروا، يقال قدره (من بابي ضرب ونصر)

وأقدره وقدر له. وغبي هنا: بمعنى غم في الروايات الأخرى أي لم يظهر.

والأحاديث نص في أن العبرة برؤية الهلال لا بحساب الحاسبين وتقاويم

المنجمين؛ وذلك أن هذا الدين عام للبدو والحضر فوجب أن تكون مواقيت عباداته

معروفة عند عامة المكلفين، غير مخصوصة بطائفة الحاسبين وجاء في بعض

الروايات (وانسكوا له) فمواقيت الحج تعرف برؤية الهلال أيضا.

(عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام (قال) : فقدمت فقضيت

حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة

في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت

رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس، وصاموا،

وصام معاوية فقال: ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين

أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول

الله صلى الله عليه وسلم: رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

الأظهر أن المشار إليه بقوله: (هكذا أمرنا رسول الله) هو قوله: (لكنا

رأيناه ليلة السبت ... ) ... إلخ، فإنه هو المنطوق الموافق للمروي، وقيل إنه أشار

إلى ما يفهم من قوله من عدم اعتداد أهل بلد برؤية أهل بلد آخر وهو غير مروي في

المرفوع ولا هو صرح به فنكتفي بروايته فالراجح إذا حمل قوله على المروي

المعروف. وقد اختلف علماء السلف في المسألة فقيل يعتبر كل أهل بلد رؤيتهم بعدت

البلاد أو قربت، وقيل لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر إلا إذا ثبت عند

الإمام الأعظم فبلغه؛ لأن حكمه نافذ في جميع البلاد وقيل: إن تقاربت البلاد كان

حكمها واحدا وإن تباعدت عمل كل برؤيته، واختلفوا في حد البعد فبعضهم ناطه

باختلاف المطالع وهو الوجه العلمي وبعضهم ناطه بمسافة القصر، وهو قياس فقهي

وقد رجح النووي وغيره من الشافعية كل واحد من القولين وقطع بكل منهما جماعة من

الفقهاء.

ونقول: إذا اختلفت الرؤية في البلاد المتقاربة فإن كان هناك حاكم شرعي

ورجح شهادة وبلغها للناس وجب أن يعتمدوا عليها ولا يلتفتوا لرؤية الآخرين

لينضبط الأمر ولا يكونوا فوضى في إقامة ركن من أركان دينهم، هذا صائم وهذا

مفطر، وإن اختلفت في البلاد المتباعدة فهناك النظر والاجتهاد وقد رأيت أن بعضهم

اعتبر البعد باختلاف مطالع القمر وبعضهم اعتبره بمسافة القصر والأول يستلزم

تحكيم علماء الفلك وقد ذكرنا أن غرض الشرع أن يجعل ما تعرف به مواقع العبادة

عاما يعرفه العوام والخواص حتى لا يتحكم الكبراء في المسائل الدينية كما فعلوا

في الأمم السالفة؟

والثاني يمكن أن يتجه لو ورد حديث يذكر فيه اختلاف الحكم ببعد البلاد فيقال

حينئذ: إن مسافة القصر هي البعد الشرعي الذي تختلف به الأحكام.

وهناك وجه آخر في البعد والقرب ربما كان أجدر بالاعتبار وهو أن البلاد

المتصلة التي بين أهلها امتزاج وتعامل كالبلاد المصرية كلها تعد بلادا متقاربة ولا

ينبغي أن يكون بعض أهلها مفطرا وبعضهم صائما، بحجة اختلاف الرؤية، فإذا

ثبتت الرؤية في بعضها يصوم الجميع وإلا أكملوا عدة شعبان ثلاثين وصاموا

متفقين وما يفعلونه الآن في الأقطار الإسلامية من الإثبات في مكان وإعلام الآخرين

به حسن في ذاته وغير حسن ما يحتف به من البدع.

وأما البلاد التي لا صلة بينها قوية سهلة ولا تعامل بينها إلا بمهاجرة بعض

أهلها من إحداها إلى الأخرى فلا بأس باعتبار كل ما يثبت عنده وإن تيسر إعلام

كل قطر الآخر بنبأ البرق الذي يؤمن تزويره، ولو كان للمسلمين إمام أعظم ينفذ

حكمه الشرعي في جميع بلادهم وتيسر له إعلامهم بما يثبت عنده من الرؤية

وصاموا بذلك لكان له وجه من الحسن واتجه قال ابن الماجشون.

-----------------

<span class="footnote">

(*) الفوق بالضم: مشق رأس السهم حيث يقع الوتر وهو إذا انكسر تعذر الرمي به والمراد بكسر الفوق إفساد البأس وإضعاف النفس، والفوق أيضا: الحظ الكامل من النهي.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٦ · الصفحة ٦٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٦ · ص ٦٥٥