تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غرة شعبان - 1321ه

22 أكتوبر - 1903م

الكاتب: محمد عبده

-----------------

<span class="footnote">

سورة العصر

اقترح بعض العلماء في الجزائر على الأستاذ الإمام أيام كان عندهم أن يقرأ

لهم درسا عاما يستفيدون منه، ويتحقق به تلقيهم عنه، ففسر لهم سورة العصر وقد

كتب بعض من حضر الدرس ملخص ما قاله الإمام، وكتب بعضهم يقول: إن

بعض الكاتبين أخطأوا فيما كتبوا واقترح أن يكتب الأستاذ الإمام نفسه تفسير

السورة وينشر في (المنار) ليصحح عليه الكاتبون ما كتبوا فعرضنا ذلك عليه

فكتب - أيده الله بروحه - ما يأتي:

بسم الله الرحمن الرحيم

{والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات

وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} (والعصر: 1-3)

المرجح أن هذه السورة من المكيات. وقد ورد عن الشافعي فيها أنه قال: لو

لم ينزل إلا هذه السورة لكفت الناس، وفي رواية عنه: لو تدبر الناس هذه السورة

لكفتهم، وصح أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا اجتمع اثنان منهم لم يتفرقا حتى

يقرأ أحدهما على الآخر هذه السورة إلى آخرها ثم يسلم أحدهما على الآخر. وقد

ظن الناس أن ذلك كان للتبرك وهو خطأ وإنما كان ليذكر كل واحد منهما صاحبه

بما ورد فيها خصوصا من التواصي بالحق والتواصي بالصبر حتى يجتلب منه قبل

التفرق وصية خير لو كانت عنده.

جرت سنة الله في كتابه أن يقسم أحيانا بشيء من خلقه أو بشأن من شؤونه

لينبه الناس إلى ما أودع فيه من الحكمة وأنهم إن كانوا قد نسبوا إليه شيئا من الشر

أو ظنوا فيه ضربا من السوء فهم مخطئون؛ فإن السوء والشر ليسا في هذه الأشياء

وإنما هذا في نفوس المستعملين أو المعتقدين وقد كانت أديان يظن أهلها أن هذا

الكون الزماني وما فيه كون شر وفساد ومن الواجب على طلاب السعادة أن يحقروه

وأن يفروا من طيباته ويجردوا نفوسهم إلى عالم آخر فوق عالم الكون والفساد فجاء

الكتاب المبين يبين لهم سوء فهمهم عن الله. ومن طرق تنبيههم إلى خطأهم تلك

الأساليب التي جاءت في القسم ووردت في الكتاب. أراد أن يكشف لهم أن هذه

الأشياء من حكمة الله بالمنزلة التي تبلغ أن يقسم الله بها كأنها مما يعظمه الله، وناهيك

بذلك الذي يعظمه خالق كل شيء ووجود كل موجود الذي لا وجود لشيء إلا منه.

العصر: إما القطعة المعروفة من الدهر وهو الزمن الذي يعيش فيه المتكلم

مع غيره سواء قدر بعدد من السنين كمئة سنة مثلا أم لم يقدر، وإما الوقت

المعروف من النهار ما بين الظهر والمغرب وكل منهما تصح إرادته. وقد اعتاد

الناس سب الأول فكل يشتكي من عصره ويقول: هو عصر جهالة ونذالة، ونقص

مروءة، وخبث طوية، ورداءة عمل، وينسبون ما شاؤوا من الخير إلى ما كان

قبل عصرهم من العصور فأراد الله أن يزعج نفوسهم عن مثل هذا الاعتقاد بأن

أقسم به ليدهش عقولهم بتعظيم ما ألفوا تصغيره، ورفع قدر ما اعتادوا تحقيره،

والعصر بالمعنى الثاني كان الوقت الذي يجتمع فيه الأعطال من العرب، قريش

وغيرها إما عند الحرم أو في مواضع أخر من منتديات الأحياء ويخوضون فيما لا

خير فيه من غيبة أو هزء وسخرية أو لغو من الحديث مله عن جد العمل فوقر في

نفوسهم أن ذلك الوقت نفسه هو قرارة السوء ومجتمع الشر فدفع الله ذلك عن الزمان

إليهم وعلمهم أن الوقت نفسه بمنزلة من الشرف يصلح معها لأن يقسم به خالق

السموات والأرض فكان عليهم أن يستعملوه فيما يناسب هذه المنزلة ويشغلوه

بطيبات الأعمال فيخلصوا بذلك من الخسران الذي لم يلحق بهم إلا بسيئات أعمالهم.

إنما ورد هذا القسم على أي المعنيين تأكيدا للخبر الذي أراد الله أن يسوقه إلينا

وهو أن الإنسان في خسر.. إلخ، وإنما احتاج هذا الخبر إلى التأكيد لأن كثيرا من

الناس يظنون أن من الأحوال والأعمال وراء ما ذكر في هذه السورة ما لا خسار

فيه، بل يعتقدون أن السعادة في التخلص من عقد الإيمان والعتق من قيود الفضائل،

وانطلاق النفس فيما يسمونه متسع الفكر، وحرية العمل، بدون تحرج من رذيلة،

ولا إحجام عن فاحشة، متى كانت تلذ للنفس في العاجل، وإن أدت بها إلى الهلكة

في الآجل، وإن من الأمم من يسعد وإن اتبع أفرادها أهواءهم، وملكتهم شهواتهم،

ما داموا يكسبون المال ويوفرون على أنفسهم وسائل القوة في زعمهم، سواء آمنوا

أم لم يؤمنوا، عملوا الصالحات أم لم يعملوا، تواصوا بالحق والصبر أم لم

يتواصوا، وأمثال هؤلاء الظانين يفوق عددهم الحصر في كل زمان ومكان.

(أل) : في الإنسان للاستغراق كما يدل عليه الاستثناء في قوله:] إلا

الذين آمنوا [والاستغراق بأل في لسان العرب ليس كالاستغراق بلفظ (كل) الذي

يسور بها المناطقة قضاياهم الكلية وليست (أل) مساوية لكل التي تضاف إلى

النكرة ويريد بها العربي تعميم الحكم في جميع أفراد الجنس وإنما يراعى في (أل)

استغراق المعهود عن المخاطبين لأنها في لسانهم للعهد، وتعريف الجنس إما في فرد

أو أفراد ولن تفارق العهد في حال من الأحوال.

وكذلك التي يسميها النحاة للعهد الذهني ويتحيرون في الفرق بينها وبين النكرة

ثم يقول من لا يعرف خصائص اللسان منهم: إن الفرق في اللفظ وإجراء أحكامه،

أما المعنى فلا فرق فيه، وهو وهم فاسد فإن قول الرجل لعبده: اشتر اللحم من

السوق، لا يفهم منه أي لحم في الكون بأسره ولا أي سوق في العالم. ولكن قد عهد

السيد نوعا خاصا تعود العبد شراءه وأسواقا خاصة هي أسواق المدينة التي يقيم فيها

وإن لم يتعين أحدها فالعهد والتعريف به لم يفارقها. والفرق بين المعنى معها في

النكرة واضح لمن يعرف خصائص اللسان.

والإنسان الذي تجري عليه أحكام الإنسانية ويحدث عنه في مثل هذه الشئون

هو من بلغ سن الرشد عاقلا يميز بين الخير والشر وليس يخطر بالبال عند

التخاطب في مثل هذا المقام الصبيان غير المكلفين ولا المجانين.

ولو أتى بلفظ (كل إنسان) لشمل ذلك. ولا تؤدي (أل) مؤدى (كل) إلا

بقرينة. فالاستغراق في الآية على حقيقته وهو شامل لجميع أفراد المكلفين من

الناس سواء كانوا ممن بلغته رسالات الأنبياء أم لم تبلغهم كما سيأتي بيانه.

والخسر: في اللغة يطلق على الضلال وعلى الهلاك وعلى النقص وكل ما

جر عليك عملك من شر فهو خسر لك وخسران وخسارة؛ لأنك كنت تبتغي بعملك

الفائدة والثمرة الطيبة تجنيها منه فإذا جر عليك ما كنت تتوقاه، وحرمك ما كنت

تتوخاه فقد خسرت لأنك ضللت في القصد، ودخل النقص عليك في بغية نفسك،

وأتاك التعب من حيث تطلب الراحة، وكل ما آلمك وأشقاك وأقلق نفسك،

واضطرب له قلبك فهو نقص في لدتك. وإذا عملت عملا وأنت تقصد به سكون

القلب، وهناء العيش فحدث انزعاج النفس، ونقص الطمأنينة فقد ضللت به في

القصد، وخسرت في السعي، والخسر: في الآية مطلق لا يتقيد بدنيوي أو أخروي،

فكل مكلف ممن لم يتصف بالأوصاف الآتية (في السورة) يصيبه حظ من

الخسران في هذه الحياة أو في التي بعدها؛ لأن السورة مكية كما قلنا والخطاب في

المكيات كانت تراعى فيه العمومات في كثير من الآيات، كما تراه في سورة

﴿والليل إذا يغشى﴾ (الليل: 1) مثلا، والخسر بفقد الراحة وطمأنينة النفس.

الإيمان: في هذه السورة مطلق كذلك لم يتقيد بشيء كما ترى ولكنه محمول

على ما هو معروف عند المخاطبين، والأمس بعموم الخطاب أنه إذعان النفس لليقين

بالفرق بين الخير والشر والفضيلة والرذيلة وبأن على الوجود مسيطرا يرضى

الخير ولا يرضى الشر ويحب الفضيلة ويكره الرذيلة، وأن من رحمته أن يخص من

شاء من خلقه بإطلاعهم على شيء من سره وأمرهم بأن يبينوا للناس ما التبس

عليهم من مذاهب أعمالهم، ويعرفوهم مداخل الأهواء الفاسدة إلى قلوبهم، ومسالك

الدلائل الصحيحة إلى عقولهم، فيقبلوا على هذه ويتلقوا ما يساق إليهم منها،

ويسدوا على أنفسهم تلك ويقيموا من العزم حارسا على نوافذها يمنع ما عساه يهوي

إليها، وهذا الإيمان هو المدلول عليه بقوله تعالى في سورة: ﴿والليل إذا يغشى﴾ (الليل: 1) ، ﴿وصدق بالحسنى﴾ (الليل: 6) ، وليس الإيمان ها هنا هو

التصديق المقرون بالإذعان لتفصيل الأحكام الواردة في شرعنا خاصة، فإن الحكم

إنما هو على الإنسان في جميع أمكنته وأزمنته لا يختص بأمة محمد صلى الله عليه

وسلم؛ بل يعم الأمم جميعها ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

فالكلام في السورة لتقرير حكم عام من أحكام الإنسان في نفسه وإنما تدخل رسالة

النبي صلى الله عليه وسلم في رسالة في حكم هذا العام ويكون من بلغته تلك الرسالة

ولم يصدق بجميع ما ورد به القطعي سندا ودلالة من نصوصها خاسرا في الدنيا

والآخرة بحكم هذا النص من جهة عمومه وبالنصوص التفصيلية الأخرى التي وردت

في كثير في سور القرآن.

وليس الإيمان كذلك مجرد ما يسميه الناس اعتقادا وإن كان بمحض التقليد لا

عمل لعقل ولا لوجدان فيه فإن مثل هذا الإيمان قد خسرت معه أمم كثيرة ممن

صدقت بمرسلين صادقين، وأنبياء هادين، وإنما المراد منه ذلك التصديق المقرون

بطمأنينة النفس وخضوع القوى لحكم ما آمن به {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله

ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (الحجرات: 15) ذلك الإيمان هو الذي كان الله ولا يزال ينوط به النجاة من

الخسران في الدنيا والآخرة. وسيأتي إيضاح ذلك أيضا.

أما هذا الذي يتلقاه الناس من أفواه آبائهم فينشأ ابن المسلم لا يفهم معنى لما

يعتقد أو لما يقول أبوه وإنما ينطق كما ينطق وتأخذه الحمية لما يراه، يحمى له لا

يفهم لذلك معنى ولا يجد لنفسه فيه بصيرة كما ينشأ ابن النصراني أو ابن اليهودي

أو ابن المجوسي على مثل ذلك، فهو مما لا يعتد الله به وإنما يعتد الله بتلك السكينة

الروحية التي تشعر النفس بمهبطها إليها، وذلك العقد القلبي الذي يعرف القلب مكانه

منه، هذا هو الإيمان الذي يليق أن يسمى حياة للنفس يعدها للشعور بجميع ما يلزم

له وما يصح أن يحمل عليه. أما ذلك الذي سموه إيمانا هو ليس به فهو مما يقتل

النفوس ويهلك الأرواح ويسلك بها مسالك الجهل وينتهي بها إلى مهاوي الهلكة.

أما الصالحات: في هذه السورة فهي تلك الأعمال التي عرفت عند الناس

بأنها من أعمال الخير النافعة لخاصتهم وعامتهم المتفقة مع مصالحم التي لا تنكرها

الأذواق السليمة، ولا تجافيها الطباع المستقيمة، ومنها ما هو من ضروب الشكر

لمفيض الخير والإحسان على الخلائق أجمعين كالعبادات الصحيحة التي جاء بها كل

دين صحيح في أي أمة من الأمم التي دعيت إلى الأخذ بذلك الدين زمن العمل

بشريعتها. ومنها ما هو من ضروب البر كبذل الأموال في طرق الخير والسعي في

إغاثة المنكوبين، وإقالة العثار، والعدل في الحكم، وإنقاذ المظلوم من الظلم،

ونحو ذلك مما يطول تفصيله، ومنه فضائل الملكات التي تصدر عنها الصالحات

كالأمانة والعفة والإنصاف والمحبة والإخلاص وأمثال ذلك. كل هذا يسمى

صالحات وإن كان منه ما هو بدني يتعلق به العمل الظاهر، ومنه ما هو نفسي يتعلق

به العمل الباطن، والعمل يتعلق بالملكات لأنها إنما تحصل عادة بترويض النفس

عليها، ومجاهدتها في سبيل تحصيلها، ويدخل في هذه الأعمال عند كل أمة ما

وردت به شريعة رسولها ويدخل فيها ما هدي إليه العقل عند الأمم التي لم تبلغها

رسالة.

وإن من أصول الصالحات ما هو معروف عند البشر عامة لا تختلف فيه أمة

كالأصول التي ذكرناها قبل أسطر، ولذلك سميت في الكتاب بالمعروف وسميت

أضدادها بالمنكر أي ما تعرفه النفوس السليمة وما تنكره العقول الصحيحة.

التواصي: أن يوصي كل من الشخصين صاحبه بشيء.

والحق: ما يقابل الباطل وهو يكاد يكون معروف المعنى عند كل الناس، وإنما

يخطئ أغلبهم في حمل هذا المعنى على جزئياته فيأتي الواحد منهم إلى أشد الباطل

بطلانا ويقول إنه الحق، فلو حمل الحق ها هنا على ما يراه الموصي حقا لكان

المعنى: وأوصى كل منهم صاحبه بما يعتقده حقا وطالبه بالأخذ به، وربما كان

الآخر لا يعتقد أن الحق مع موصيه فيكون التواصي ضربا من التنازع لأن كلا

يدعو الآخر إلى ما لا يرضاه وهو النزاع بعينه فلا يصح حمل المعنى عليه وإنما

الذي يصح أن يقصد هو أن يوصي كل واحد صاحبه بتحري الحق فيما يعتقد بأن

ينبهه إلى الحرص على البحث في الأدلة والتلطف في النظر للوقوف على الحق

الذي هو الواقع لا يختلف فيه بعد معرفة وجهه فإذا رأى منه ضلة هداه بإقامة

الدليل على ما هو الهدى وإذا رأى منه تقصيرا في النظر نهض به إليه، وإذا

وجد منه رعونة في الأخذ بظواهر الأمور دون النفوذ إلى بواطنها نصح له

باستعمال الروية وإمعان الفكرة.

وهكذا يكون على الآخر أن يعمل مع صاحبه مثل ما يحب عليه أن يعمل معه،

وفرض التواصي على كل واحد يبيح للصغير أو يوجب عليه ما يبيح للكبير أو

يوجب عليه من ذلك؛ إلا أنه لا يمنع من رعاية كل قائم بواجب عليه حق الآخر

فلوصية الصغير وعرضها على الكبير طريقة غير طريقة سوق الوصية من الكبير

إلى الصغير، يعرف ذلك القوم على حسب آدابهم وما ألفوا في تخاطبهم.

والتواصي بالحق يدخل في الصالحات وإنما ذكره بلفظه لينوه بفضله ويشير إلى أنه

أصل بنفسه تناط النجاة به استقلالا.

ولا يصح أن يظن ظان أن النجاة منوطة بالتواصي بالحق وإن لم يكن

الموصي آخذا به فلو كان مبطلا وأوصى بالحق فقد نجا، هذا ما لا يعقل وإنما

جاءت الآية الكريمة على طريقة الإيجاز التي فضل بها القرآن جميع الكلام فإن

المراد من كان على الحق وأوصى به. ومن المعروف عند العقلاء أنه لا يوصي

بالشيء ولا يدعو إليه إلا من أصاب منه الحظ الأوفر، وكيف يدعو إلى أمر ويحسن

الدعوة إليه من لا تكون له من ذلك الأمر حلية يعرف بها، وما تراه من قوم يدعون

إلى المعروف وهم يقيمون على المنكر فذلك لا يعد دعوة صحيحة لأنهم لا يعرفون

كيف يدعون وهم في دعوتهم إلى ما يدعون إليه ينفرون الناس منه ولا يميلونهم إلى

ناحيته، وخطاب الكتاب إنما جاء على المعروف المألوف عند العقلاء. وإنما قال

(وتواصوا) ولم يقل: وأوصوا؛ ليبين أن النجاة من الخسران إنما تناط بحرص كل

من أفراد الأمة على الحق ونزوع كل منهم إلى أن يوصي به قومه. ومن يهمه أمر

الحق ليوصي صاحبه بطلبه يهمه أن يرى الحق فيقبله فكأنه في هذه العبارة الجزلة

قد نص على تواصيهم بالحق وقبولهم للوصية به إذا وجهت إليهم.

والصبر: خلق من أمهات الأخلاق بل مساك كل خلق. قالوا في فضل

الصبر إنه ذكر في القرآن نحو سبعين مرة وليس لنا فائدة كبرى في تحديد العدد

ولكن جاء في الكتاب العزيز ذكر الصبر ومدح أهله وتبشيرهم بالفوز والفلاح،

والصبر ملكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله والرضى بما يكره في

سبيل الحق وهو خلق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق وما أتي الناس من

شيء مثل ما أتوا من فقد الصبر أو ضعفه.

كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ضعف فيها كل شيء وذهبت منها

كل قوة، ولنضرب لذلك مثلا: نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم، إذا

دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإن من عرف بابا من أبواب العلم لا

يجد من نفسه صبرا على التوسع فيه والتعب في تحقيق مسائله وينام على فراش من

التقليد، هين لين لا يكلفه مشقة ولا يجشمه تعبا ويسلي نفسه عن كسله بتعظيم من

سبقه ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه لاتخذهم أسوة له في عمله فحذا حذوهم

وسلك مسلكهم وكلف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم

ليسوا بمعصومين. ثم هو إذا تعلم لا يجد صبرا على مشقة دعوة الناس إلى علم ما

يعلم وحملهم على عرفان ما يعرف، ولا جلدا على تحصيل الوسائل لنشر ما عنده،

بل متى لاقى أول معارضة قبع في بيته وترك الخلق للخالق كما يقولون. يجلس

الطالب للدرس سنة أو سنتين ثم تعترضه مشقة التحصيل فيترك الدرس أو يتساهل في

فهمه أو يكل والده من الإنفاق عليه فيصرفه إلى حرفة أخرى يظنها أربح له فينقطع

عن الطلب، ويذهب في الجهل كل مذهب، وكل هذا من ضعف الصبر.

يبخل البخيل بماله ويجهد نفسه في جمعه وكنزه وتعرض له وجوه البر

فيعرض عنها، ولا ينفق درهما في شيء منها، فيؤذي بذلك وطنه وملته، ويترك

الشر والفقر يأكل قومه وأمته، ولو نظرنا إلى ما قبض يده لوجدناه ضعف الصبر،

ولو صبر على محاربة خيال الفقر اللائح في ذهنه يهدده بالنزول به لما أصيب

بذلك المرض القاتل له ولأهله.

يسرف المسرف في الشهوات، ويهتك المتهتك في المنكرات، حتى ينفد

المال، وتسوء الحال، ويستبدل الذل بالعز، والفقر بالغنى، ولا سبب لذلك إلا

ضياع صبره في مقاومة الهوى، وضبط نفسه عن مواقع الردى، ولو صبر في

مجاهدة تلك النزغات لما كان قد خسر ماله، وأفسد حاله.

وهكذا لو أردت أن أعد جميع الرذائل وأبحث عن عللها الأولى لوجدتموها

تنتهي إلى ضعف الصبر أو فقده، ولو سردت جميع الفضائل وطلبت ينبوعها الذي

تستمد منه حياتها ما وجدت لها ينبوعا سوى الصبر، أفلا يكون جديرا بعد هذا بأن

يخص بالذكر؟

فالحق حياة العلم، ومستنام السكينة، ومطمأن العقل، ومستقر الراحة للنفس

والصبر، مستمد الفضائل، ومدحرة الرذائل، ومساك الصالحات، وملاك

الحسنات، فجدير بهذين الأصلين الجليلين أن يخصا من بين أعمال الإنسان

بالإشادة بذكرهما، والتنويه بفضلهما، ولفت النفوس إليهما خاصة، لتبدأ

بإحرازهما فتصلح بهما أعمالها كافة.

ربما تبين الناظر فيما ذكرنا وجه الحق في هذا الخبر الكريم وهو أن الإنسان

في خسر إلا من استكمل لنفسه هذه الصفات التي ذكرت ولكنا مع ذلك نزيده

توضيحا.

الإيمان بالمعنى الذي بيناه طور من أطوار النفوس البشرية ارتقت إليه،

لتخلص من سوء حال كانت عليه. النفوس البشرية في طموحها إلى الشهوات هي

على نحو ما عليه العجماوات مع امتياز في قوة استحضار الفائت وتمثيل الآتي،

ففاقت سائر نفوس الحيوان في الحرص على نيل ما يلذ لها مما ألفته، وادخار ما

يوفر لها أضعافه فيما يستقبل من الزمن، فكل نفس تستعمل قواها في تحصيل ما

يرمي إليه هواها، فما أعظم الشر تتصوره في أشخاص من البشر لا هم لواحد

منهم إلا في تحصيل ما يتخيله لذيذا أو نافعا، وإتلاف ما يتمثله مؤلما أو ضارا،

ثم ينظر إلى ذلك في يد غيره فيثب عليه ليستخلصه منه لنفسه أو يتلفه لزعمه أنه

ضار به ولا رادع للمعتدي إلا ما يكون من المعتدى عليه، ولا يصدق أحد منهم

بأصل للخير أو للشر أو للفضيلة أو للرذيلة وإنما الخير عند كل واحد ما يلذه أو

ينفعه سواء آلم غيره أو أضره أم لم يكن كذلك.

أي شقاء يصيب النفوس البشرية إذا خلت من الشعور بذلك الأصل العظيم،

أصل التمييز بين الخير والشر؟ فمن لم يكن مؤمنا بهذا الأصل ولم يصدق بالحسنى

كما ورد في سورة الليل فقد خسر خسرانا مبينا.

الفرد الواحد في ذلك ينال نصيبه من الضلال، وسوء الحال، إذا خلا قلبه من

ذلك الشعور فإنه يخبط في معاملته لمن معه على غير هدى، فيصيبه منهم ما يصيبه

من الأذى، ثم هو لا يزال قلق البال، حليف البلبال كما لا يخفى، ونصيب الأمة من

ذلك أعظم من نصيب الفرد بما لا حد له.

من لم يؤمن بالقوة العظمى، والقدرة العليا، والحكمة السامية، والسيطرة

القاهرة، التي ينتهي إليها كل عمل في الوجود، وبأن جميع ما عداها فهو في

قبضتها - فقد قصر نظره، وضعف بصره، وعظم وهمه، ووهى معتمده، يرى

كل قوة من القوى التي بين يديه كأنها مصدر وجوده، ومصرفة أموره، وإذا أصابه

شيء من الشر لا يعرف له سببا تخيل السبب شيئا من تلك القوى كما يخطر بباله،

أو أصاب شيئا من الخير بدون كسب منه اخترع له وهمه مصدرا كما يتفق له،

فتكثر عليه الأرباب، وتنسد في وجهه طرق الأسباب، ويعتمد في شئونه على ما

لا يصح الاعتماد عليه وهذا هو منشأ ضروب الوثنية، التي كانت سببا في فساد

العقول البشرية، والخسران الذي نزل بأهلها أفرادا أو أمما لا يخفى خبره على

أحد ولا يزال ينزل بها من الخسران ما يسوء أثره إلى اليوم.

أما من آمن بأن جميع القوى التي نراها إنما تصدر من قوة واحدة وهي تحت

نظام تديره إرادة واحدة وأن من الواجب على العاقل إذا جاء شيء من الخير أو

الشر لا يظهر له سببه أن يبحث بعقله حتى يقف على السبب أو ينتهي إلى مقدر

الأسباب، فلا ريب أنه ينجو من شر ذلك الخبط، ويخلص من ورطة ذلك الخلط،

ويستوي في نظره جميع ما هو في الكون وتتساوى جميع أفراده عنده في أنها

مربوبة لا يمتاز شيء منها على آخر إلا بما ميز به من الخصائص، وما يكون له

من الآثار، فيسكن قلبه من كل ناحية، ويعظم اعتماده على تلك القوة الواحدة، ولا

يأخذ في أعماله إلا بما سنته له، فيعتبر ما وضعته من نظام الأسباب والمسببات،

فيجري عليه ثابت الجاش مطمئن القلب، غير خائف من شيء بعد ما عرف من

القدرة الإلهية ما عرف.

من لم يؤمن بأن الحكمة السامية تقضي بأن يكون في البشر مبشرون

ومنذرون يوضحون السبل، ويكشفون الحجب، ويغمض عينيه عن النظر في

الأدلة التي تؤيد دعواهم - يحرم حظا وافرا من المعارف التي يصعب على عقله أو

يستحيل عليه أن يصل إليها بدون واسطة هؤلاء المرشدين، ويلتبس عليه كثير من

أمره، وتخفى عليه طرق الصواب في كثير من عمله، فيقع في الشر وهو يسعى

إلى الخير، ويصيبه الضر من حيث كان يطلب المنفعة، وأي خسران أعظم من

هذا؟ !

من فقد الإيمان بالله على الوجه الذي بيناه فأقل ما يخسره قوة العزيمة

بالاعتماد على من تحيط قوته بالأكوان، وأدنى ما يفقده ركون النفس إلى سندها

الأكبر عند نزول الشدائد [1] وأخف ما يصيبه من الخسران تشتت الأهواء عليه

واضطرابه بين دواعيها، وحرمانه من الهادي الذي يرشده إلى الوجهة التي ينبغي

أن يولي وجهه نحوها، فيظل في حيرة لا خلاص له منها، وأي شقاء أعظم منها،

والأمم في هذا الشقاء كالأفراد.

الأعمال الصالحة تتبع الإيمان الصحيح في الأغلب غير أن من الناس من

يظن أن الإيمان قول يعبر عن خيال في النفس لا أثر له في العمل أو أنه اعتقاد

يتخذه الشخص مميزا له عن غيره في جامعة من الجوامع كاعتقاد المسلم بأنه من

أهل التوحيد وأنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليتميز بذلك عن غيره من

الملل وكاعتقاد كل ذي دين بما يظنه من دين ومع ذلك لا يأخذ نفسه بالعمل على

سنن ذلك الدين. وهذا الإيمان لا ينجي صاحبه من الخسران بل لا بد في النجاة من

العمل الصالح، وقد بينا الأعمال الصالحة فيما سبق إجمالا، ولا خسار أعظم من

خسار يحل بمن لم يأت تلك الأعمال، سواء كان ذلك في الدنيا أو الآخرة.

وببيان الخسران بذلك المعنى الذي فهمته تعلم أنه عام في كل من فقد الإيمان

وترك العمل الصالح سواء كان ممن بلغته دعوة الأنبياء وحاد عن سننهم، أم كان

ممن يسمونه (أهل الفترة) أم ممن لم تبلغهم إلى اليوم دعوة، سواء قلنا بنجاة

هؤلاء في الآخرة أم لم نقل؛ فإن الخسر في الآية الكريمة ليس محدودا بخسر

الآخرة، وخسر الآخرة ليس محدودا بالأبدي منه، فصريح الآيات أن من لم يكن من

المؤمنين أو لم يعمل الصالحات فهو خاسر أي ضال أو واقع في شقاء على ما سبق

بيانه. ولا ريب في عموم ذلك لجميع أصناف البشر في أي زمان وفي أي مكان

وعلى أي حال.

بعد أن ذكر ركنين من أركان النجاة من الخسران في الأمم والأفراد جاء

بركنين آخرين لا يتم كل منهما إلا بتعاون الأفراد ولا يمكن لفرد واحد أن يستقل به،

وهما ركنا التواصي بالحق والتواصي بالصبر بالصبر على النحو الذي بينا. فإن

التواصي لا يكون إلا من متعدد فلا نجاة من الخسران إلا بأن يقوم الأفراد من الأمة

مهما عظم عددهم بأن يوصي كل واحد منهم من يعرفه من الباقين بأن يطلب الحق

ويلتزمه وأن يأخذ بالصبر في جميع شؤونه، فلو أن شخصا واحدا قام بذلك وأوصى

غيره ولكن الباقين لم يقوموا بمثل ما قام به لحل الخسر بالجميع في الدنيا لا محالة؛

فإن الأمة إذا غفل معظمها عن الحق والدعوة إليه ووهن الصبر في نفوسهم فلا محالة

يستولي عليها الباطل وتضعف منها العزائم فيسوء حالها وترمي بنفسها في الهلكة:

﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (الأنفال: 25) .

وأما في الآخرة فالخسار إنما يحيق بمن لم يوص أو من لم يسمع الوصية ولم

يقبلها، فإن كان الموصي لم يحصل من وسائل التقريب ما يحتاج إليه وكان نفور

صاحبه من طريقة نصحه ولو سلك غيرها لقبل منه كان الخسار في الآخرة عليه

كذلك، وأي نجاة لأمة يسكت أبناؤها على المنكر يفشو بينهم ولا تتحرك نفوسهم

إلى التناهي عنه، والمنكر مفسدة الأفراد ومقراض الأمم.

التواصي بالحق والتواصي بالصبر يدخل فيهما الأمران: الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر؛ لأن من أوصى بالحق ودعا إليه لا يتم له ذلك حتى ينهى عن

الباطل ويصد عنه، ومن أوصى بالصبر على مشاق الأعمال الصالحة لا يكمل له

ذلك حتى يبين مساوي الأعمال الخبيثة وعواقب التفريط بترك تلك الصالحات، فقد

أودع الله في هذين الركنين ركني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع

الأعمال والأحوال وقرر لنا أن لا نجاة لقوم من الخسران في الدنيا والآخرة إلا بأن

يقوم كل واحد منهم بما يجب عليه من ذلك في القدر الذي يمكنه وعلى الوجه الذي

يمكنه، وقد أكد لنا الخبر بما أورده من القسم فليس في الخبر تجوز، ولا فيما

تضمنه من الأمر هوادة، فمن الواجب على كل أمة تريد أن تنجو من الخسران أن

تقوم بهذا الفرض وهو التواصي بالخير والتناهي عن الشر أو التواصي بالحق

والتواصي بالصبر، فإذا طرأ على عوائد الأمة أو نزل بها من الحوادث ما بغض

إليها التناصح أو حبب إليها التساهل في فريضة التواصي كان ذلك إنذارا بحلول

الخسار، وتعرضا في الدنيا للعار والدمار، وفي الآخرة لعذاب النار.

ولا يجوز لأحد أن يتعلل بذلك التساهل إذا وقع من الأمة ويقنع نفسه بأنه

عاجز عن النجاح في نصيحته ولهذا يكفيه أن ينكر المنكر بقلبه وبذلك ينجو من

الخسران الأخروي إن لم ينج من الخسران الدنيوي كما يتوهمه بعض المسلمين

اليوم خصوصا أولئك الذين عرفوا بينهم بالعلماء فقد أخطأوا الخطأ العظيم في

زعمهم أن إعراض العامة عنهم ينجيهم من العقوبة الإلهية إذا لم يبذلوا النصح لهم

ولم يبينوا لهم وجه الحق وإن أنكروه وصكوا وجه الداعي إليه فقد صدق الله وعده،

وأكد خبره، ولا سبيل إلى التأويل في أمره، ولا إلى جحد ما يتلوه من أثره.

يحتج كثير من عامة أولئك العلماء بحديث: (من رأى منكم منكرا فليغيره

بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) [*] ولكنا نقول: إنه لا يصح

الاحتجاج به في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن تغيير المنكر عند

رؤيته شيء يتعلق بأمر خاص وهو المنكر المعين الواقع من الشخص

المعين، وقد يتسامح في معاملة الشخص المعين في حالة مخصوصة لشأن

مخصوص، فإن ملكا من الملوك أو أميرا من الأمراء الظالمين لا يحتمل أن يقال

له: إن الأولى بك أن لا تفعل ما تفعل أو ليتك لم تفعل هذا أو ليتك فعلت هذا فضلا

عن أن يقال له: اترك هذا فإنه منكر أو افعل هذا فإنه من المعروف، وربما

كانت كلمة من هذا القبيل سببا في إتلاف نفس القائل بسطوة ذلك الظالم، ولكن

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم ينحصر في طلب تغيير المنكر في هذه

الحالة المحدودة، بل ذلك شامل للوعظ العام في المساجد والطرق والأسواق

والمنتديات وفي أوقات الاجتماع الخاصة وفي الحديث مع الأصحاب والأحبة وفي

كل حال من أحوال الاجتماع خاصة وعامة، ومثل هذا يستطيعه كل واحد من الناس

على حسبه، فلا يمكن لأحد أن يزعم أنه عاجز عن القيام بفرض الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر على الإطلاق؛ لأنه لا يوجد أحد يزعم العجز من جميع الوجوه إلا

أن يكون قد بلغ من العجز غاية لا يبلغها الحيوان الأعجم.

غير أنه يجب على العلماء ومن يتشبه بهم أن يتعلموا من وسائل القيام

بالواجب ما تدعو إليه الحال على حسب الأزمان واختلاف أحوال الأمم.

وأول ما يجب عليهم في ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح وعلم تكوين الأمم

وارتفاعها وانحطاطها وعلم الأخلاق وأحوال النفس وعلم الحس والوجدان ونحو

ذلك مما لا بد منه في معرفة مداخل الباطل إلى القلوب ومعرفة طرق التوفيق بين

العقل والحق وسبل التقريب بين اللذة والمنفعة الدنيوية والأخروية ووسائل استمالة

النفوس عن جانب الشر إلي جانب الخير. فإن لم يحصلوا علم ذلك كله فوزر

العامة عليهم ولا تنفعهم دعوى العجز فإنهم ينفقون من أزمانهم في القيل والقال،

والبحث في الألفاظ والأقوال - ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار علم، وأعلام هدي

ورشد، فليطلبوا العلم من سبله التي قام عليها السلف الصالح والله كفيل أن يمدهم

بمعونته. أما وقد انقطعوا إلى ما يعجزهم من القيام بأمره فلن يقبل الله لهم عذرا،

بل فليتربصوا حتى يأتي الله بأمره.

لو قضى الزمان بأن يكون من وسائل التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر وإشغال الناس بالحق عن الباطل وبالطيب عن الخبيث أن يضرب الإنسان

في الأرض، ويمسحها في الطول والعرض، وأن يتعلم اللغات الأجنبية ليقف على

ما فيها مما ينفعه فيستعمله، وما يخشى ضرره على قومه فيدفعه - لوجب على

أهل العلم أن يأخذوا من ذلك بما يستطيعون ولهم في سلف الأمة من القرن الأول

إلى نهاية القرن الرابع من الهجرة أحسن أسوة، وأفضل قدوة، وكل ما يهونون به

على أنفسهم مما يخالف ذلك فإنما هي وساوس الشيطان، يشغلهم بها عن النظر في

معاني القرآن، ويحرمهم من التعرض لرحمة الرحمن.

بقيت مسألة كثر السؤال عنها، والإلحاح علي في التعرض لها، كلما ذهبت

إلى مكان وجدت لها حاملا، لا يلبث أن يتوجه إلي سائلا، وهي مسألة الاختيار

والكسب ونسبة الأفعال الاختيارية إلى العبد أو إلى خالق العبد، ولا أنكر أن هذه

المسألة كانت من أعظم المسائل خطرا على الإسلام والمسلمين ولكن كان في مرور

الزمان وتتابع الحوادث ما يهدي الناس إلى وجه الحق فيها ويرشدهم إلى أن يرجعوا

إلى كتاب ربهم وهدي نبيهم.

نزوع النفوس إلى الخوض في هذه المسألة ضرب من ضعف الصبر أو فقده،

الوجدان يشهد والحس يشاهد أن الذي يرفع يده بالسيف ويضرب آخر فيقتله هو

الذي ضربه، ويقول الرائي والمخبر: إن فلانا قتل فلانا أو ضربه أو اعتدى عليه،

فنسبة الأفعال إلى من صدرت عنه من العباد مما لا يحتاج إلى بحث ولا نظر. ثم

جاء القرآن يقول: ﴿بما كنتم تعملون﴾ (المائدة: 105) ، {وما أصابكم من

مصيبة فبما كسبت أيديكم} (الشورى: 30) وغير ذلك من الآيات حتى قال في

الآية التي يحتجون بها: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ (الصافات: 96) ، فلو سلم

أن المراد مما تعملون العمل نفسه فقد نسب العمل إليهم وقامت أحكام الشريعة جميعا

على هذا الأصل. ولو كان فعل العبد ليس له لبطل تكليفه به إذ لا يعقل أن يدعى

شخص إلى ما لا يقدر عليه، وأن يكلف بما لا أثر لإرادته فيه، ولو كان فعل

القاتل ليس له لامتنع القصاص ولم تكن فيه لنا حياة، فالعقل والشرع والحس

والوجدان متضافرة على أن فعل العبد فعله.

وكون جميع الأشياء راجعة إلى الله تعالى ووجود الممكنات إنما هو نسبتها إليه

ولا يتصور اعتبارها موجودة إلا إذا اعتبرت مستندة إليه مما قام عليه الدليل بل كاد

يصل إلى البداهة كذلك.

ومثل هذا يقال في عظم قدرة الله تعالى وأنه إن شاء سلبنا من القدرة

والاختيار ما وهبنا فهو أمر نشاهده كل يوم، ندبر شيئا ثم يأتي من الموانع من

تحقيقه ما لم يكن في الحسبان، ونتناول عملا ثم تنقطع قدرتنا عن تتميمه، كل ذلك

لا نزاع فيه، شمول علم الله لما كان ولما يكون قام عليه الدليل ولا شبهة فيه عند

المليين، فوجب على المسلم أن يعتقد بأن الله خالق كل شيء على النحو الذي يعلمه

وأن يقر بنسبة عمله إليه كما هو بديهي عنده، ويعمل بما أمره به ويجتنب ما نهاه

عنه باستعمال ذلك الاختيار الذي يجده من نفسه، وليس عليه بعد ذلك أن يرفع

بصره إلى ما وراءه، فقد نعى الله على المشركين قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا

ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} (الأنعام: 148) ، ووردت الأحاديث متواترة

المعنى في النهي عن الخوض في القدر وسره.

فلو صبر العبد حق الصبر لوقف عند ما حد الله له ولم ينزع بنفسه إلى تعدي

حدود الله التي ضربها لعباده، ولست أحب التكلم في هذه المسألة بأكثر من هذا وإلا

خرجت من الصابرين، وخضت في القدر مع الخائضين، ومن ثار به الهوس

فتوهم أن علينا أن نعتقد أن العبد لا فعل له فقد خالف كتاب الله، وعصى رسول

الله، وقد أقول واعتمادي على الله فيما أقول: إن من يقول ذلك يخرج عن دين الله،

ويعطل شرع الله، فليحذر مؤمن بالله أن يقول ذلك، وأسأل الله أن يرشدنا جميعا

إلى ما فيه صلاح أنفسنا وأن يوفقنا للتواصي بالحق والتواصي بالصبر بفضله

وكرمه.

قد يمر بخاطر سائل أن يسأل: إذا كان هذا الذي ذكر في هذه السورة هو حكم

طبيعة الإنسان في كل فرد من أفراد المكلفين منه وإن من لم يكن على هذه الصفات

فهو خاسر ضربا من الخسران في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، وأن من أخذ بالحظ

الأوفر منها نجا من ذلك الخسران فما بالنا نرى من غير المؤمنين من يتمتع بالسعادة

في هذه الدنيا أمما وأفرادا، ونرى من المؤمنين من يغمره الشقاء أمما وآحادا، وإذا

شئت مثلا لذلك فانظر إلى حال اليابانيين وهم وثنيون أو حال بعض الأمم الأوربية

التي لا يعتقد الكثير من أفرادها بالله ولا برسله وقارن بينهم وبين الأمم المؤمنة

كالمسلمين مثلا:

فندفع عنه هذا الخاطر بأن ما يراه في بعض الأمم من ظاهر السعادة ليس إلا

لمعان السراب حتى إذا جاءه وحقق أمره لم يجده شيئا.

قال ماكس نوردو في كتابه المسمى (الأكاذيب العرفية لتمدننا) ما معناه:

(إن الناس كانوا ولم يزالوا يطلبون الحق ولم يكونوا في زمان أبعد عنه منهم

في هذا الزمان) ، ثم قال ما ترجمته: (إنك لو طرقت أي باب تسأل: هل مرت

السعادة بهذا البيت؟ لأجابك مجيب: إذا شئت فاطرق بابا آخر؛ فإن السعادة لم

تمر ببيتنا) ! وهو يقول ذلك بعد أن ذكر ما عليه حال الأمم الأوربية جميعها ونسبته

من السعادة والشقاء وبعد أن أجمل من وصف أحوالهم والمصائب التي تتوقع لهم

والآلام الشاغلة لقلوبهم أجمعين ما يرحمهم لأجله المقصرون عنهم، ويزهد

الراغبين في مثل حالهم، ويصدهم عن اقتفاء آثارهم، وبين سبب ذلك وأنه

بعدهم عن الحق ونزوع أنفسهم إلى الباطل وفقدهم الصبر في طلب المال

وهرولتهم خلف داعي الشهوة، لا يعصون له أمرا، ولا يخالفون له إشارة، ومنشأ

ذلك خلو نفوسهم من الركون إلى الإله الواحد خالق الجميع ورازق الأحياء ومقدر

الأسباب لمكاسبهم على حسب ما وهبهم من القوى والقدر.

ولو اطلعت على ما أخذ اليابانيين من ذلك ومما تألم له نفوسهم من الأوهام

الوثنية التي ما اتصلت بروح إلا أفقدتها السكينة وأوجدتها الاضطراب صعب عليك

أن تحكم بأنهم سعداء فإذا كان لهم شيء من السعادة فهو ببركة التواصي بالصبر أو

عمل بعض الصالحات التي جعلها الله عمادا للسعادة في هذه الحياة الدنيا كالأمانة

والصدق وارتفاع الهمة والأخذ بالحق فيما يرفع الشأن ويكسب العزة.

أما حال المؤمنين - إن كانوا - فهو لا يخالف الحكم الوارد في الآيات

الكريمة، فإنا لا نعني ولا يعني عاقل بالسعادة وفرة المال ورفه العيش في ظاهر

الأمر وإن كانت النفوس قلقة، والضمائر محترقة، ولكن السعادة سكون النفوس

وراحة الضمائر، واطمئنان السرائر، والرضى الحقيقي بما وصل إلى اليد،

والسعي المقارب إلى الرغيبة من سبلها المعروفة، مع المعرفة بتلك السبل،

والاعتماد على الهادي إليها، ولا أشك في أنك تجد هذه الطمأنينة عند المؤمن

بالمعنى الذي قدمنا في أي أرض وجد، وفي أي أمة ولد، وأما المثل الذي ضربته

وهو جملة المسلمين فإني أقول لك - ولا أخشى لوم لائم -: إن من كان مؤمنا

وعمل الصالح وقام بفريضة التواصي بالحق والتواصي بالصبر فهو راض عن

نفسه، راض عن ربه، سعيد وإن كان بين الأشقياء، حكيم وإن وجد بين السفهاء،

لا يعرف الشقاء إلا بما ينعكس إليه من صورة في نفوس غيره، وأما البقية فإن

كانوا خاسرين فخسرانهم جاءهم من فقد الأركان الأربعة. أما الإيمان فلأنهم أخذوه

اسما، واكتفوا به علما ورسما، ورثوا عن الآباء والأمهات، صورا وعبارات،

ومثل عبادات، لا يحوك بصدرهم شيء من معناها، وأوفرهم حمية على التوحيد

أملأهم من الإشراك تحت أسماء اخترعها، وألقاب اختلقها كالوسيلة والواسطة وما

يشبه ذلك مما لم ينزل به الله سلطانا.

وأما العمل الصالح فكيف يجتمع مع الحسد والعداوة والكبرياء والجهل والكسل

ونحو ذلك مما تراه في عامتهم، والأغلب من خاصتهم، وأما التواصي بالحق

والتواصي بالصبر فلم يبق له أثر بينهم، يرون ما يرون من المنكرات، ويحسون بما

يحسون من فاسد الاعتقاد وكل منهم ساكت عما يرى ويحس من الآخر كأنه لا صلة

بينهما في الدين، وكأن لم يرد في دينهم ما يدعوهم إلى التناصح، ولو أن واحدا

منهم نصح للآخر لقامت عليه قيامته، وظنه محتقرا لمنزلته، غامطا لحقه، وكيف لا

يخسر قوم هذا شأنهم؟ فلو أنهم رجعوا إلى دينهم، وأقاموا في أنفسهم هذه الأصول

الأربعة لرأيتهم وقد وفاهم الله وعده في قوله:

{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما

استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد

خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا..} (النور: 55) ، ولخرجوا من حكم

الوعيد الذي أنذرهم الله به من قبل في قوله: {.. ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم

الفاسقون} (النور: 55) .

﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11) .

والله أعلم

-----------------

<span class="footnote">

(1) يؤيد هذا ما ثبت من أن الجنود المتدينة أشجع وأثبت من الملحدة أو ضعيفة الدين، وقد كتبت الجرائد الأوربية هذه الملاحظة في أثناء حرب إنكلترا والترانسفال، ومن ذلك اتفاق العارفين على أن جيش الدولة العلية في مقدمة جيوش العالم شجاعة وصبرا على المكاره (هذا وما ... فكيف لو) رجعت إلى ذكر الصحابة والتابعين.

(*) المنار: تتمته: (وذلك أضعف الإيمان) رواه أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان وهو حجة على تاركي فريضة الأمر والنهي كسلا وتعللا؛ لأنه يأمر ببذل الاستطاعة واستنفاد الطاقة في هذه السبيل على خصوصية الموضوع، كما قال الأستاذ الإمام.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٦ · الصفحة ٥٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٦ · ص ٥٧١