16-19
من إنجيل متى: (أعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه على
الأرض يكون مربوطا في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في
السموات) وفي 18-18 منه: (الحق أقول لكم، كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في
السماء) .
فإذا قال الرئيس الكهنوتي لشخص: إنه ليس مسيحيا صار كذلك، وإذا قال:
إنه مسيحي فاز بها فليس المعتقد حرا في اعتقاده يتصرف في معارفه كما يرشده عقله
بل عينا قلبه مشدودتان بشفتي رئيسه؛ فإذا اهتزت نفسه إلى بحث أوقفها قابض على
تلك السلطة، وهذا الأصل إن نازع فيه بعض النصارى اليوم فقد جرت عليه
النصرانية خمسة عشر قرنا طوالا.
* * *
(الأصل الثالث للنصرانية ترك الدنيا)
وبعد هذين الأصلين أصل ثالث، وهو التجرد من الدنيا والانقطاع إلى الآخرة
تجد هذا الأصل في الأناجيل وفي أعمال الرسل وكلما قرأت في الكتب الأولى
عثرت به، وتجد الأوامر الصادرة بالانقطاع إلى الملكوت من عالم الملك صريحة
في الإصحاح السادس والعاشر والتاسع عشر من إنجيل متى فما جاء في السادس:
(لا تقدرون أن تخدموا الله والمال 25؛ لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما
تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون، أليست الحياة أفضل من الطعام،
والجسد أفضل من اللباس (إلى أن قال) 33 ولكن اطلبوا أولا ملكوت الله وبره
وهذه كلها تزاد لكم 34 فلا تهتموا للغد؛ لأن الغد يهتم بما لنفسه يكفي اليوم شره،
وقال في التاسع عشر: 23 الحق أقول لكم إنه يعسر أن يدخل غني ملكوت السموات
24 وأقول لكم. إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت
الله) وفي العاشر: (9 لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم 10 ولا
مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا، إلخ) .
وحث على الرهبانية وترك الزواج وفي ذلك قطع النسل البشري قال في
(19من متى) : (يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع
أن يقبل فليقبل) ثم إن ملكوت السموات قد نيط أمره بالإيمان المجرد عن النظر في
الأكوان، فماذا يكون حظ صاحب الاعتقاد بهذا الأصل من النظر في أي علم،
والعلم لا دخل له في شئون الآخرة والدنيا قد حرمت عليه، لا ريب أن همه يكون
في الصلاة وصرف القلب بكليته إلى العبادة دون سواها وليس الفكر في الخليقة من
العبادة عنده، فإن عبادة الإنجيل ليست شيئا سوى الإيمان والصلاة.
* * *
(الأصل الرابع للنصرانية الإيمان بغير المعقول)
وبعد هذه الأصول أصل رابع، وهو عند عامة المسيحيين أصل الأصول لا
يختلف فيه كاثوليك ولا أرثوذكس ولا بروتستانت، وهو أن الإيمان منحة لا دخل
للعقل فيها وأن من الدين ما هو فوق العقل بمعنى ما يناقض أحكام العقل وهو مع
ذلك مما يجب الإيمان به قال القديس أنسيلم: (يجب أن تعتقد أولا بما يعرض على
قلبك بدون نظر ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت) فليس الإيمان وهو الوسيلة
الفردة إلى النجاة في حاجة إلى نظر العقل والكون وما فيه لا يهم المؤمن أن يجيل
فيه نظره، وقول القديس: (ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت) نوع من
التفصيل على النزعة البشرية إلى الفهم وعلى الميل الفطري إلى تصور ما يتعلق
به الاعتقاد وإلا فمجرد الإيمان كاف في الخلاص، ثم الويل كل الويل لطالب
الفهم إذا أدى اجتهاده إلى شيء يخالف ما تعلق به إيمانه، فكأن معنى الفهم أن يخلق
المؤمن لنفسه ما يسلي به نفسه على إيمانه بغير المفهوم.
* * *
(الأصل الخامس للنصرانية الكتب المقدسة
حاوية كل ما يحتاج إليه البشر في المعاش والمعاد)
ثم ينضم إلى الأصول الأربعة أصل خامس، وهو أن الكتب المعروفة بالعهد
القديم والعهد الجديد تحتوي على كل ما يحتاجه البشر إلى علمه، سواء كان متعلقا
بالاعتقادات الدينية والآداب النفسية والأعمال البدنية مما يؤدي إلى نيل السعادة في