تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تتمة سيرة الكواكبي

وكان أول عمل عمله في إدارة مجلس البلدية هو قطع عرق الرشوة من

العمال الذين يباشرون الأعمال والمصالح ويسمون (الجاويشية) ولكنه زاد في

راتبهم؛ لعلمه بأن الذي يضطر أكثر العمال إلى الرشوة هو قلة الراتب. وكان من

ظلم الوالي بعد عزل الفقيد من رياسة البلدية أن أرجع راتب الجاويشية كما كان

وألزم صاحب الترجمة بدفع ما كان زاده لهم في مدته إلى صندوق البلدية كما ألزمه

بدفع ما أنفق على سلاسل الحديد التي منع بها الجمال من طرق المدرسة؛ لأن

الوالي أمر بإزالتها عقيب عزله ثم عاد فأمر بإعادتها بعد زمن قريب ولكنه لم يعد

إلى الفقيد الغرامة التي ظلمه بها.

ولما عين رئيسا لكتاب المحكمة الشرعية كانت المحكمة في أسوإ الأحوال في

الصورة والمعنى، فكان ينفق على إصلاحها من جيبه حتى إنه استحضر لها

السجوف والأستار من بيته ومنع اختلاط النساء بالرجال إذ جعل لكل مكانا ينتظر

فيه دوره للتقاضي ورتب الأوقات ونظم الدفاتر.

وكان صاحب عزيمة قوية لا يهاب حاكما ولا يخاف ظالما وعزيمته هي التي

جنت عليه فقد كان نجح في عمله عندما عين مديرا ومفتشا لمصلحة حصر الدخان كما

تقدم في السيرة الرسمية حتى وقع النزاع بنيه وبين عارف باشا والي حلب يومئذ

فبطل العمل عمل الفقيد في ضبط هذه المصلحة ما عجزت عنه إدراتها العمومية

والحكومة جميعا حتى كانت تخسر في ولاية حلب دون سائر بلاد الدولة،

وكان المشتغلون بتهريب الدخان البلدي وبيعه في حلب سبعمائة رجل فعين لهم

رواتب ومنعهم من التهريب بحكمة عجيبة وسيأتي مجمل خبره في عداء الوالي عند

الكلام على بعض الصعوبات التي لقيها في طريقه.

كانت مدة الاتفاق الأول مع مصلحة حصر الدخان ثلاث سنين فانفصل من

إدارة العمل والتفتيش بعد سنتين بالسبب الذي ألمعنا إليه، ولثقة الفقيد بنفسه

واقتداره على العمل ذهب إلى الأستانة بعد عزل عارف باشا من ولاية حلب فعقد

اتفاقا آخر مع المصلحة والحكومة مدته عشر سنين وكان أراد أن يضم إلى ولاية

حلب متصرفا فعقد اتفاقا آخر مع المصلحة والحكومة مدة عشر سنين وكان أراد أن

يضم إلى ولاية حلب ومتصرفية الزور ولايتي بيروت وسورية فلم يرض له ذلك

من استشاره من الأقربين فرجع عنه. وقد نجح أيضا في المرة الثانية ولكن حدثت

بعد أربع سنين الفتنة الأرمنية فنهب الأرمن الدخان من عدة بلاد وقتلوا موظفي

المصلحة فكان الفقيد يخسر في الشهر بضعة عشر ألفا من الليرات فتوسل بذلك إلى

الآستانة بحل العقد وإبطال الاتفاق فتم له ذلك بعد عناء وخسارة عظيمة ولإخلاصه

بحب المصلحة العامة كانت أكثر وظائفه فخرية أي بغير راتب كما عرف من

الترجمة الرسمية ويزيد على هذا أنه كان يبذل شيئا من ماله فوق ما أخذه من راتب

بعض الوظائف لأجل ترقية العمل وإتقانه، وهذا خلق لم يعرفه الشرق في هذا

العصر.

مشروعاته:

طلب من الحكومة عدة امتيازات بأعمال عظيمة لم تكن تخطر لأهل بلاده

على بال. (منها) إنشاء مرفأ في السويدية وطريق حديدي منها إلى حلب.

و (منها) جلب نهر الساجور إلى حلب لأن ماء المدينة قليل، ولو تم هذا العمل

لأحييت به أرض واسعة فكانت جنات وحدائق. (ومنها) أن عينا خوارة في سفح

جبل بين أرمنان وأدلب قد أغرقت أمواهها تلك الأرض فجعلتها مستنقعات تضر

الناس، ولا يأوي إلى غاباتها إلا الخنزير البري فذهب الفقيد إليها واختبر حال

الأرض والعين اختبارا هندسيا زراعيا فعلم أنه يمكن جر مائها إلى أدلب القليلة

الماء وتجفيف تلك المستنقعات فتصير نافعة وتحيا أرض أدلب ويحيا أهلها

فطلب بذلك امتيازا.

و (منها) إنارة حلب وبيره جك ومرعش وأورفه بالكهربائية بواسطة شلال

يحدثه من نهر العاصي في محل اسمه المضيق بالقرب من دركوش تابع لجسر

الشغر وكان اختبر المكان اختبارا هندسيا فعلم أن إحداث الشلال فيه ممكن.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٣٥