تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دينهم، ويجتهدون في تحويل الناس إلى عاداتهم وشعائرهم ليقربوا من دينهم حتى

إن الأوربيين فرحوا فرحا شديدا عندما وافقهم خديو مصر الأسبق على استبدال

التاريخ المسيحي بالتاريخ الهجري، وعدوا هذا من آيات الفتح. ونرى القوم الآن

يسعون في جعل يوم الأحد عيدا أسبوعيا للمسلمين يشاركون فيه النصارى بالبطالة.

ومع هذا كله نرى المسلمين لا يزالون يحبون منع غيرهم من الأخذ بآدابهم

وعاداتهم ويزعمون أن هذا تعظيم للدين، وكأن هذا التعظيم لا نهاية له إلا حجب

هذا الدين عن العالمين، إن هذا لهو البلاء المبين، وسيرجعون عنه بعد حين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الأزهر والأزهريون، وفاضل هندي

(الرسالة الثانية مما وعد به الشيخ عبد العزيز العريشي الأزهري

والأولى نشرت في الجزء 10)

من القاهرة إلى حيدر أباد

إليك أيها الأخ، سلام صديق طبع قلبه على الإخلاص لك، وارتبط بأسباب

محبتك، وشكوى شوق قد برح بي برحا، لا أستطيع له شرحا. وبعد فقد ذكرت لك

في رسالتي السابقة طرقا من نظام مدرسة الأزهر وطرق التعليم بها على وجه

الجملة، والآن أريد أن آتي لك بعبارة أوسع وتفصيل أشفى على كل ما رأيته من

نظام طلبتها وسلوكهم مناهج التحصيل مقتفيا أثر الطالب في كل دور من أدوار

طلبه من إبان دخوله فيها حتى يترشح لنيل شهادتها مبينا لك قوته وما حصل عليه

في كل دور منها.

زرت أيها الأخ تلك المدرسة من تاريخ الرسالة الأولى حتى اليوم زورات

متعددة في أوقات مختلفة وقفت فيها على تلك الدروس وقفة العاشق الدنف على

الربع المحيل وهو يبكي لأناس عاهدوا الرحيل على أن لا يملوا الذميل.

فكانت نتيجة ذلك البحث الدقيق والتنقير المتواصل أن ظهر لي ما عليه تلك

المدرسة الواسعة الكثيرة العدد، ووقوفي على مواضع خللها وسوء نظامها على ما أنا

عليه من الغربة وبعد الدار. ورأيت أن أجعل كل موضوع رأسا مستقلا بنفسه أذكر

فيه كل ما استبان لي من النقد كما سيمر بك إن شاء الله.

انتظام الطلبة: وأول أمر رغبت في كشف سره وبيان سببه من أمور هذه

المدرسة هو سبب كثرة طلابها حتى بلغوا التسعة آلاف أو يزيدون، وأغلبهم من

المصريين كما قدمت لك في رسالتي السابقة فكان غاية ما وقفت عليه من ذلك ما

سمعته هناك من أخ ثقة خبير قال: لا يكاد يمر الإنسان ببلدة من البلدان المصرية

أو قرية من قراها حتى يرى مئات من شبان المصريين حلفاء المتربة وضيق ذات

اليد وهم يطاردون الجوع بالفأس والمحراث، وتمضية يومهم الطويل في الحقول

والمزارع والتعب والنصب تحت شمس تذيب بوهجها رأس الضب. ومن بينهم

أفراد لا يكاد يخلو منهم بلد من البلدان أو قرية من القرى معطلون عن كل عمل

يطلقون عليهم تارة لقب الفقهاء أو الوعاظ وطورا اسم المأذونين، ترى الواحد منهم

في جبة وقباء وعمامة عجراء يأكل جميع ساعات نهاره إما متربعا في بيته خاليا من

كل عمل أو قاعدا في إحدى الزوايا ينثر من فيه على بسطاء أهل الفلاحة ما يسمونه

وعظا وإرشادا، وما هو إلا أقاصيص أو لغو في حكمها يدعو الناس به إلى حب

التواكل والبطالة حتى إذا أتى على آخر الدرس لبث مكانه منتظرا ما تدر به أيدي

أولئك العملة المساكين الذين لم يحصلوا على الدرهم إلا طرادا، ولم ينالوا اللقمة إلا

جهادا، ومن ذلك يتألف لهؤلاء المعطلين عيشة لا تعب فيها ولا نصب فإذا رزق

الله أحد الفلاحين الفقراء ولدا وقع بين نارين إما أن يدعه يشتغل بما يشتغل هو به

فيعيش عيشة البؤس والخصاصة، وإما أن يدفع به إلى الأزهر ويثابر على أن

يقسم له ما يناله من الأجر على أعماله حتى يمضي عليه عدد من السنين فيخرج

منه وقد ترشح لأن يأكل من أوساخ الناس ويعيش عالة على العباد متوسدا الراحة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٩٤