يعلم أنها قد ماتت قبل ظهور الإسلام وإن بقي لها آثار تدل عليها ويعلم أن الإسلام
أحياها بعد موتها فأنشأ أهله - لا أهلها - بها حدائق العلم والعمل في بغداد ومصر
وقرطبة أو في الشرق والغرب والوسط، ومن هذه البلاد انتقل العلم والمدنية إلى
الأمم الغربية الحية بلا نزاع.
ولم يكن الكلام في ذلك التمثيل في المدنية الصناعية وإنما كان في الإصلاح
البشري أي الإصلاح الذي ارتقت به عقول البشر وتهذبت نفوسهم وتوثقت روابطهم
الاجتماعية وعرف بعضهم لبعض حق الإنسانية، فإذا كانت تلك الأمم التي سبقت
الإسلام بالمدنية الصناعية وبنى أهلها أهراما لم يبن مثلها المسلمون، فالإسلام قد أفاد
البشر ما لم تفده تلك الصناعة أفادهم ارتقاء في العقول، علمهم أن تلك الأهرام وما
يشابهها قد بنيت باستعباد البشر وأسر أرواحهم وأشباحهم وتسخير الملايين منهم
لخدمة شهوة ملك من الملوك الظالمين أو لخدمة وساوسه الدينية.
علمهم أن تلك المدنية كانت تسخر بعلمها المحصور في طبقة مخصوصة
أبصار الأمة وتخيل للناس ما ليس له حقيقة فتسترهبهم وتحملهم على الخضوع
الأعمى لأولئك الرؤساء الضالين المضلين، الغارين المغرورين.
علمهم كيف يحكمون على اليونانيين بفساد الفكر في الخضوع لآلهة لا وجود
لها إلا في الخيال وتحكم تلك الأوهام في مدنيتهم وحربهم وصناعتهم فهيكل
جوبيتيير الذي يدهش الناظرين بديع صناعته هو آية على أن تلك المدنية الصناعية
كانت مقترنة بضلال العقل وفساد الفكر في المسائل التي يمتاز بها البشر على
النحل والنمل والعنكبوت وهي حشرات أتقنت أعمالا من الصناعة كانت فيها من
أساتذة الإنسان كما يقول بعض العلماء.
علمهم كيف يحكمون على شرائع تلك الأمم وقوانينها بالظلم وهضم حقوق
الإنسان بما يفضلون شعوبهم على سائر الشعوب في الحقوق فإنه لم توجد شريعة
وضعية ولا سماوية معروفة قبل الإسلام تساوي بين أهلها وبين جميع من يقبل
حكمها من المخالفين وإن كانوا قوما معادين {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا
تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة: 8) وهذه الآية من سورة المائدة التي هي آخر القرآن نزولا ومعناها لا تحملنكم معاداة قوم على ترك معاملتهم بالعدل فإن العدل واجب مع الولي والعدو؛
لأنه من تقوى الله الخبير بالأعمال والمجازي عليها، والمصريون كانوا يستحلون
ظلم غير المصري بل يعبدونه تعبيدا لملكهم كما فعلوا بالإسرائيليين، وكذلك
اليونان والرومان وهذا تاريخ اليهود شاهد بأن الرومان قد ظلموا الإسرائيليين ظلما
يضاهي ظلم المصريين لهم، فأين هؤلاء وأولئك من معاملة الإسلام لليهود، تقدمت
الذكرى في الجزء الماضي بمساواة عمر بين علي بن أبي طالب (وما أدراك من
هو) ورجل من آحاد اليهود، وعندنا ما هو أعظم من ذلك وأشرف:
روى الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم (عن زيد بن سعنة
وكان من أحبار اليهود أنه ابتاع من النبي صلى الله عليه وسلم تمرا إلى أجل
وأعطاه الثمن، فلما كان قبل الأجل بيومين أو ثلاثة أتاه يطالبه بالتمر (قال) :
فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا
محمد حقي فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مطل. فقال عمر: أي عدو الله , أتقول
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي
رأسك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي في سكون وتؤدة وتبسم ثم قال:
أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك- يا عمر - أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره
بحسن التقاضي اذهب به فاقضه وزده عشرين صاعا مكان ما رعته) ففعل ثم أسلم
هذا الحبر الجليل وقال بعد ذلك: إنه فعل ليختبر أخلاق النبوة وعلاماتها فلما رآها
كملت فيه عليه السلام آمن به.
وجملة القول أن الإسلام علم البشر أصول السعادة الحقيقية التي لم تكن