تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمره. وستتبعها إنكلترا في ذلك بعد سنين، وإن خفي ذلك على المعجبين بتربيتها

من الشرقيين.

وإذا التفتنا إلى جانب الرجال نراهم في إنكلترا يأخذون إخذ الذين سبقوهم

بهذه المدنية الفاسقة في فرنسا، فأكثر الشبان يرغبون عن الزواج بالمسافحة

والمخادنة، ولا يكاد أحدهم يتزوج حتى يناهز الأربعين سنة أو يجاوزها، ثم هو لا

يود أن يكون له ولد كثير وإنما يبتغي وليا يرث ماله ويحفظ اسم بيته إن كان من

أصحاب البيوتات ولا يكره أن يكون له ثان يخلف الأول إذا هو درج فإن عزر

بثالث احتمله وكره كرها شديدا أن يزيد ولده عن عدد (الأقانيم الثلاثة) ويتفق مع

زوجه على الإجهاض إذا كانت ودودا ولودا.

ولا تحسبن هذا الصياح والعويل من ساسة فرنسا وبعض كتابها في الشكوى

من قلة النسل عامة في الأمة بل الأكثرون يرون ذلك شرطا في سعادة الأمم كما

يرونه شرطا في سعادة البيوت فإن الأمة التي يتضاعف سكانها في مدة قريبة لا

تلبث أن تضيق بها بلادها وتضطر إلى المهاجرة إلى بلاد دونها لتعمرها وتغالب

أهلها عليها وفي ذلك من الشقاء استبدال الدار الخربة بالدار العامرة. ويقولون: إن

الدولة لا تشكو من قلة النسل حبا في الأمة ولكن طمعا في مباراة الدول المستعمرة،

فالسبب في ذلك طمع الملك الذي لا يكتفون ببذل رفاهة الأمة في سبيله وإنما يبذلون

أيضا أموالها ودماءها. لهذا يعسر على مثل فرنسا أن تعالج هذا الداء الاجتماعي

القاتل مادامت على هذه الطريقة في التربية والتعليم وفساد العقيدة وحرية الفسق

والفجور.

بقي علينا أن نلتفت لفتة ثالثة إلى البيوت لننظر كيف يعيش الزوجان اللذان

نظرناهما منفردين أو وصفناهما من حالهما منفصلين. يتوهم المفتونون بمدنية أوربا

أن السعادة المنزلية ونعيم المعيشة الزوجية، يوجدان في الغرب حيث توجد العلوم

العالية والتربية المشتركة بين الصنفين. ويتوهم أكثر الذين قرأوا ذلك الوصف البليغ

المؤثر للحياة الزوجية السعيدة في كتاب (تحرير المرأة) أنه وصف منتزع من

البيوت الأوربية، فمنهم من يتمنى مثله بتربية مثل تلك التربية وتعليم مثل ذلك

التعليم، ولا مانع لنا منه كما يقول الكتاب. ومنهم من يرى أن المسلمين محجوبون

عن تلك السعادة بحجاب النساء وأنه لا سبيل إليها فما لنا إلا أن نسأل الله أن يعوضنا

عنها في الآخرة ما هو خير منها.

الحق الذي لا مرية فيه أن هناء المعيشة الزوجية لا يتحقق إلا بتحقيق أمور:

(أحدها) إذعان المرأة بأن الرجل هو سيد المنزل ورئيسه وأنها هي تابعة

ومرءوسه له. ولا تذعن في نفسها هذا الإذعان إلا إذا تربت عليه واعتقدته دينا.

(ثانيها) ثقة الزوجين بالاختصاص بأن يعتقد الرجل أنه لا يشاركه أحد في

زوجه وتعتقد المرأة أن زوجها لا يختلف إلى غيرها من خدن أو بغي. وهذان

الأمران متحققان في الشرق بالدين أكثر من تحققهما في الغرب. ولا أستثني من

الشرق مصر التي هي أفسق بلاد الشرق وأكثرها فسادا في البيوت (العائلات) .

(ثالثها) المشاكلة في الطباع والمقاربة في السجايا والأفكار. وهذا الامر

ظاهر في الغربيين وهو في الشرقيين كذلك في الغالب. ومن غير الغالب بعض

المتعلمين من المصريين فإنهم لا يجدون في النساء من يقاربهم في أفكارهم. وهم

الذين يشكون من حال النساء ويطلبون تغييرها بتربية وتعليم جديدين وإن لرغبتهم

تأثيرا كبيرا في الأمة؛ لأنها موافقة لرغبة الحكومة وسعيها. والعمل على هذا وإن

أنكره بالقول الأكثرون.

نعم يجب أن يكون النساء على مقربة من الرجال في الأفكار والأخلاق

والمقاصد والرغبات، فالبلاد التي انتشر فيها تعليم البنين ينبغي أن ينتشر فيها تعليم

البنات حتى لا تتسع مسافة الخلف بين الصنفين ولما في التربية والتعليم من الفوائد

الكثيرة، ولكن يجب علينا أن لا نتبع خطوات الأوربيين قدما بقدم وأن لا نحتذي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٤٩