لأنها أم هذه المدنية الجديدة في الغرب والشرق. ثم إن مصر وجهت وجهها في هذه
السنين إلى إنكلترا بحكم طبيعة الاحتلال الإنكليزي ومثلها الهند في هذا التوجه.
ويرى هؤلاء أن الإنكليز أقوم تربية من الفرنسيس، ولذلك نورد لهم ما استفدناه
بالمذاكرة والمناظرة مع بعض أهل العلم والخبرة التامة من الإنكليز في مسألة النساء
ليعلموا أن التروي الذي قلنا بوجوبه في التمهيد لا بد منه. ثم ننتقل إلى الحكم
بضرورة اتباع الهداية الإسلامية في مسألة النساء والتربية القويمة التي تنطبق عليها
ليتبين لهم أن طريقة النظر والتجربة في هذا القرن لم تغن عن الهداية التي جاءت
على لسان نبي أمي منذ ثلاثة عشر قرنا ونيفا.
الغرض من التربية والتعليم سعادة الأمة بهناء المعيشة وشرف المنزلة وإنما
يطلب الهناء والشرف للحي النامي، فإذا كانت طريقة التربية والتعليم تؤدي إلى قلة
النسل وعدم نموه فتلك هي الطريقة السوءى، وسلوكها هو الجناية الكبرى على
البشر.
وتربية الإناث تربية استقلالية كما يتربى الذكور سواء مخل بوظيفة
النساء الفطرية ومؤد إلى تلك النتيجة المخيفة قلة النسل المؤذنة بهلاك البشر.
أنتجت هذه التربية في إنكلترا النتائج الآتية:
(1) اعتماد النساء على أنفسهن في المعيشة والكسب.
(2) توجههن إلى الأعمال الخارجية، أي التي تكون خارج البيوت وتنافي
تدبير المنزل.
(3) رغبة الكثير منهن عن الزواج بالمرة، وقال بعض أطباء الإنكليز: إنه
عرف بالاختبار أن نحو أربعين في المائة من النساء كذلك. وقال بعض أطباء
فرنسا: إن إناث البشر كإناث سائر الحيوانات، الأصل فيهن الرغبة عن مباشرة
الرجال إلا في وقت مخصوص وهو وقت الاستعداد لقبول التلقيح، وإن ما عدا هذا
فهو عارض على البشر وبين أسبابه وذكر أن هذا العارض يكون في بعض الأفراد
مرضا من نوع (الهستيريا) وليس هذا محل شرح أقواله.
(4) أن أكثر النساء المتعلمات المتربيات يكرهن الأمومة إما لما في الحبل
والولادة من المشقة والتعب وإما لإضطرارهن إلى ملازمة البيوت في معظم مدة
الحبل والرضاعة إذا هن أرضعن أولادهن، والبيوت صارت في نظرهن كالسجون
لتعودهن على كثرة الخروج. وإما لاحتياجهن في ذلك إلى نفقات كثيرة تعوزهن أو
يفضلن التوسع بها في الترف. ومنهن من يذهب في ذم الأمومة مذهب الخيال الذي
يلتبس عليهن بنظريات الفلسفة أو تقاليد الدين المسيحي في جعل الإنسان ملكوتيا
فيقلن: إن الحبل والولادة من صفات الحيوانات فينبغي الترفع عنه. وهذه جهالة
بمعنى الإنسان وما هو إلا حيوان أرقى من سائر الأنواع في جنسه. وليس في
استطاعة الخيال أن يخرجه عن كونه حيوانا وإن استند إلى الفلسفة أو الدين.
(5) أنه قد نشأ في النساء تناول الأدوية لمنع العلوق وللإسقاط بعد تحققه.
(6) أن البنت قلما تتزوج في أول طور الاستعداد للأمومة وهذا التأخير من
أسباب عسر الولادة؛ لأن الأعضاء في طور الحداثة تكون مرنة تتمدد بسهولة فإذا
كبر السن قلت هذه المرونة المسهلة للولادة. ويزيد العسر عسرا ضعف الأجسام
بالإفراط في الترف والنعيم فصار من الضروري أن لا تلد المرأة إلا وهي مخدرة
بالكلوفورم وبمساعدة الأطباء.
(7) أن الولادة قلما تنتهي بسلامة من مرض خطر، فهذه سبع نتائج
بعضها سبب لآخر ونضيف إليها نتيجتين عامتين في النصارى وهما:
(8) أن المرأة ملزمة في عرف النصارى بأن تدفع لمن ترغب في التزوج
به مهرا، وكثيرا ما يعسر عليها ذلك فتضطر إلى التبتل أو البغاء.
(9) أن الرهبانية مشروعة للنساء كالرجال ومعدودة في الفضائل الدينية
عند أكثر النصارى. فهذه تسع أسباب من أسباب قلة النسل ومقدمات انقراض الأمم.
وما عدا الأخيرين منها فهو من آثار التربية الأوربية. ولما كانت فرنسا هي
السابقة في هذه التربية النسائية ظهر فيها قلة النسل وأطباؤها وساستها في حيرة من