تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعض شعوبها لبعض حتى الذين تجمعهم لغة واحدة وينتسبون إلى دولة واحدة! !

هذا الرأي الحميد رأي توقف نجاح الأمة على المدارس الكلية الجامعة قد

نوهنا به من قبل وطالبنا به عقلاء المصريين وأصحاب التأثير فيهم قولا وكتابة،

وإذا يسر الله تعالى ووفق المسلمين إلى إنشاء كليتين واحدة في الهند وأخرى في

مصر فذلك منتهى السعي الحميد في إحياء المسلمين وإعادة مجدهم ولا توجد بلاد

إسلامية غنية والتعليم الأهلي فيها حر إلا البلاد الهندية والبلاد المصرية، ولا يتم

هذا العمل في مصر إلا بسعي مثل السعي الذي في الهند وهو أن يتألف مؤتمر

ويكون جميع أفراده دعاة إلى هذا العمل ساعين في جمع المال له من كل مكان،

نعم، يظهر أن أهل مسلمي مصر أقل استعدادا من مسلمي الهند بالنسبة إلى

المجموع ولكن في مصر رجالا ربما لا يوجد خير منهم في بلاد إسلامية أخرى ولهم

أن يجعلوا كليتهم في أول الأمر صغيرة ثم يوسعوا دائرتها بالتدريج، وقد سمعت

أكبر مرجو فيهم لمثل هذا السعي يقول: إنه يمكن الإقدام على العمل إذا تيسر جمع

مائة ألف جنيه فقط، ولو اعتبر أغنياء مصر بالسر كاسل الإنكليزي الذي بذل من

ماله أربعين ألف جنيه لأجل دراسة مرض الرمد في مصر لتيسر لهم بذل ما ينشئ

مدرسة كلية تكون حياة قومهم وأمنهم، ومنشأ عزهم وسعادتهم.

* * *

(تونس - أو حادثة صفاقس)

بينا مسلمو الهند يصفقون لرئيس مجمعهم وخطيب مؤتمرهم الإسماعيلي

المذهب رجوعا إلى تساهل الإسلام في الصدر الأول أيام كان الحافظ البخاري يتلقى

الحديث عن عمران بن حطان الخارجي وإذا بمسلمي البلاد التونسية يهيجون

ويحتمون على مدرس من أهل مذهبهم في الأصول والفروع؛ لأنه أنكر عليهم

بعض البدع التي ألفوها وألصقوها بالدين وتكلفوا لهذا الإلصاق ضروبا من التأويل

تصادمها نصوص الكتاب والسنة، تلك البدعة أو البدع هي التي أقام (المنار) بها

القيامة على أهلها وكتب فيها أكثر من سبعين مرة وهي ما يفعله الجهلاء عند قبور

الأولياء من التضرع والدعاء، والاستغاثة والاستجداء، والطواف والاعتكاف،

والتذلل والاستعطاف، والقيام والقعود، والركوع والسجود، وما رخص الدين في

زيارة القبور بعد النهي عنها ليدعى أربابها من دون الله، ويقول المأول {هؤلاء

شفعاؤنا عند الله} (يونس: 18) ولا لينسخ بهم قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك

نستعين} (الفاتحة: 5) وقوله: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (الجن: 18) . إلخ إلخ.

الواقعة هي أن عالما مدرسا في مسجد صفاقس اسمه (الشيخ محمد شاكر)

كان يقرأ عقيدة التوحيد فلما انتهى إلى وحدانية الأفعال التي يكاد يكون الكلام عليها

في بعض كتب العقائد جبرا محضا نهى عن بدع القبور، والاستعانة بأهلها

والتقرب إليهم بتقديم النذور، فكبر ذلك على الذين يأكلون تلك النذور فوشوا ومحلوا

وحرفوا وتمحلوا، ورفع الأمر إلى المحكمة الشرعية، ثم إلى العامل المدني في

صفاقس، ثم إلى الوزارة في الحاضرة (تونس) فحكم بعزله من التدريس في

جامع صفاقس والتطويع في جامع الزيتونة، وقد ذكرت الواقعة بعض الجرائد

المصرية نقلا عن جرائد فرنسية، وذكرت أن قاضي تونس ومفتيها هما اللذان طلبا

من الوزارة عزله وما نظن ذلك صحيحا، وإذا كان القاضي والمفتي وشيخ الجامع

الأعظم لم يسعوا بعزل هذا المدرس الذي قرر التوحيد ونهى الناس أن يستعينوا

بغير الله على أمور دنياهم، أفما كان يجب عليهم أن ينصروه ويعززوه؟ بلى،

ومن هنا نعرف الفرق بين تونس والهند، بل بينها وبين مصر؛ فإننا قررنا هذه

المسألة وشددنا فيها النكير في المسجد الحسيني، وكان يحضر درسنا كثير من

العلماء والفضلاء فما انتصر أحد ممن حضر وممن لم يحضر لبعض جهلة العوام

الذين كبر عليهم ما قررناه ولا سمعنا كلمة تخطئة من شيخ الأزهر ولا من مفتي

الديار المصرية ولا من غيرهما من كبار العلماء.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٢٢