تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رواد القوم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وبعد:

لقد توقف القلم عن متابعة أخبار هؤلاء الأبرار, ولم يعد الوقت يسعفني لأعطي هؤلاء حقهم أو بعض ما يستحقون, قليل عليهم أن تكتب آثارهم بإطناب, ولا نوفيهم حقهم أن نقف على أبواب قصصهم سائلين وعلى أعتاب سيرهم متتبعين, إنهم أحيوا في الأمة عزتها, وأعادوا للأجيال من السلف سيرتهم, وهزوا منام الراقدين الغافلين, وما كان يمكن أن ينتبه الذين في حياتهم الروتينية سادرين بدون دفع الثمن الثمين, ودون بذل أقصى ما يستطيعه البشر, لأن القوم كأنهم في خمار وأصاب مقتلهم اللهو كأنهم صبية أغرار, وأخذ برأسهم الدوار.

كل شاب قدم من جو لاه مترف كان هزة عنيفة في أعماق بيته, وكل رب عائلة أزف إلى المعركة واقترب فكأنما نقل عائلته بكاملها إلى أرض اللهيب تحياها صباح مساء تتابع أخبارها, وتحيا أحداثها بأعصابها وأنفاسها اللاهثة, وقلوبها المتوفزة.

كنت ذات مرة في اجتماع فقالوا: لقد قرع جرس التليفون وهم يطلبونك لتجيب على مكالمة خارجية, وإذا بشاب مختلف مع أمه حول حكم الجهاد من الرياض, واحتكما إلي لأفض النزاع بينهما, وكان محل النزاع حول استئذان الوالدين للنفير إلى الجهاد, وقلت لوالدته: ليس عليه استئذان لأنه لا استئذان في فروض الأعيان.

ثم قالت الوالدة: عندنا طفل مريض نأمل أن تدعو له. كان الشاب قد حضر من قبل إلى أرض الجهاد ووالده يحتل منزلة رفيعة في وزارة الإعلام وعندما أقبل الشاب على الله, واصطلى بنار الجبهة وتقلب بين أزيز الرصاص ودوي المدافع تبعه والده ليرى مصير ابنه إذ اضطره ابنه أن يتعرف على القتال عن كثب, وكم من موسر ترك شركته أو مصانعه لأن ابنه كان قد سبقه إلى الخندق واستطاع أن ينقل السعادة الغامرة التي أضفاها جو الجهاد على نفسه إلى قلب أبيه مما جعله يتوق ليتذوق ما قد تذوقه ابنه من قبل. وكم من شهيد قد استشهد فامتشق أقاربه أسنتهم ومضوا على جادة الرائد الذي ما كذبهم, فأبو جهاد (أحمد أبو غوش) مضى إلى الله وإذا بأخيه ينتضل حسامه ويمضي على طريق العزة والكرامة, وأبو قتيبة السوري يمضي إلى الله فيأتي والده وينزل إلى جلال آباد. هي هي نفس الطريق التي سلكها سلفنا الصالح بمناراتها ومعالمها وآثارها ومراسمها, وما أجمل ما قاله إقبال ونحن إذ نكتب عن هؤلاء الغر الكماة والصيد الأباة لنرجو الله أن يجمعنا بهم يوم نلقاه. والآن مع هذه الثلة.

الشهيد أبو قتيبة (طالب عبد العزيز النجار):

من أوائل الذين قدموا إلى أرض الجهاد, شاب صغير, ولكنه فارع الطول ممتشق القد, عالي الهمة, ذو طاقة كبيرة وحركة دائبة, رأيته لأول مرة مع أستاذه أبي البراء, قد عزفت نفسه عن الدراسة لأن شيخه ومربيه, أستاذ البيولوجيا والكيمياء قد طلق المدرسة ثلاثا لارجعة فيها, فماذا ينتظر بعد أن صوحت المدرسة وتغيرت معالمها إذ غاب منها بدرها ونورها.

عجبت لأبي البراء وهو يجمع حوله هؤلاء الشباب الذين لم يصلب عودهم بعد, ولم تقرقع فوق رءوسهم, من البيت إلى المدرسة وأحسنهم حالا من داوم على حلقة الدرس التربوية, وما كنت أعلم أن هؤلاء سيكون لهم دور لا تستطيعه كبار النفوس, وأنهم سيقومون بما وقفت عاجزة أمامه الرؤوس.

ورجع بعضهم إلى المدينة المنورة, وأما أبو قتيبة فقد مضى في رحلة بعيدة شاقة.

رحلة الشمال: مضى أبو قتيبة مع من لم تضعضع هممهم نوائب الدهر, ولم تلن عريكتهم أمام أهوال الحروب, وتسلق الجبال, وخوض غمار النزال إلى بدخشان: قال لي أبو قتيبة: مشينا ستة عشر يوما كل يوم نمشي فيه ثماني عشرة ساعة نخوض في الثلوج, كنا نتمنى لشدة الآلام التي نعانيها في أصابعنا لو تقطعت أناملنا وخلصنا من برحاء الشدة, وقد كنا مضطرين أن نمشي هذه الساعات الطوال ونحن نجتاز قرى الشيعة التي لا نجد فيها سوى الخبز الجاف والشاي المر بأثمان خيالية.

وحط رحاله مع القافلة في بدخشان, وهناك وبجانب القائد عبد الودود وجد روحه وريحانه, فالقومندان عبد الودود شقيق الدكتورمحمد عمر من أبناء الحركة الأوائل, ومن طلائع الشهداء في هذا الجهاد المبارك, وعلى نفس الطريق سار عبد الودود, ومن المنهل العذب ارتوى, ومن ذات المشكاة اقتبس, فقد أسس الجبهة في بدخشان/كشم ورعاها وسهر عليها, وحرر المنطقة, فأصبح المعلم المربي, والقائد المرشد. دانت له القلوب بالمحبة, وتآلفت عليه النفوس بالإخاء فهو اللحن العذب في أنشودة الحياة لدى جنده الذين يحق لهم أن يرددوا:

عشاق الحور · الصفحة ١٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٤٠