ومرت الطائرة وألقت قذيفتها وانتزعت شظية من شظاياها روح ابراهيم ونرجو الله أن يجمعه بجده إبراهيم عليه السلام مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وفي مقبرة الشهداء في (باب خيبر/طورخم) يثوي هذا البطل بجانب أخويه عبد الله النهمي وعلي عبد الفتاح.
أبو عبد الله الجزائري (مجاهد بريك):
غادر الجزائر منذ ست سنوات وتوجه نحو قبلته في الحجاز ومكث هناك وفي سوريا هذه السنوات ولكنه كان يحس بأنه لا طعم لهذه الحياة التي لا تتجاوز اهتماماتها لقمة الغذاء وقطعة الكساء وكانت تترامى إلى مسامعه أخبار الجهاد في أفغانستان وتقض عليه مضاجعه, ويشعر بتأنيب الضمير في الأعماق وأخيرا حطم القيود وسار إلى بلاد الأسود.
في فرخار: التقيت به مع مجموعة عربية يقودها أبو الحسين البصري وكان لقاء ممتعا مع أحمد شاه مسعود وقد ألقوا عليه مجموعة من الأسئلة وبتنا تلك الليلة في المركز التعليمي في فرخار وفي الصباح ودعتهم وكان اللقاء الأخير في هذه الدنيا.
إلى عبد الفتاح أمير كتيبة الملائكة: وسارت الكوكبة إلى عبد الفتاح حيث الكتيبة التي نذرت نفسها للإصلاح بين المجاهدين مع نظافة في السلوك وطهارة في الأخلاق, وسر الجميع بعبدالفتاح وظلوا معه.
عملية عسكرية: ولقد كان مركز عبد الفتاح محط أنظار طائرات العدو فلا يكاد يمر يوم دون أن تصبحه بغارة أو تمسيه بهجوم وحشي, وذات يوم جرح أحد الإخوة بالقصف فهرع إليه مجاهد (وكثير من الأسماء لها من مسمياتها نصيب).
وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد
محرمة اكفال خيلي على القنا ... محللة لباتها والقلائد
(أكفال: مؤخرة, القنا: الرماح, لباتها: نحورها)
هرع مجاهد لينقذه وإذا بالقذيفة الإنشطارية (العنقودية) تتنزل من الطائرة وكانت تحل معها شعوبا (المنية) واستشهد رحمه الله في الحال ونرجو الله -عزوجل - أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.
أبو عمر المدني (ماجد عبد العزيز المغربي):
وهكذا اختار ماجد طريقه فلم يأنس بمكة رغم الأنس الذي تشيعه في الجو نفحات البيت العتيق ورغم وجود إخوانه فيها ولم يرتح لجو بيشه مع تلك النسمات الباردة التي تختلف في مناخها عن بقية الجزيرة عدا أن أباه يعمل فيها, إنه مستوحش من الحياة بين الأحبة والأهل ولا غرو في هذا فقد هامت روحه هناك مع قصص الأبطال وسير الذين يصنعون التاريخ من جديد بدمائهم وأرواحهم, على مشارف كابل وفي أوهاد بغلان وفي أنجاد بروان وحطم الأصفاد, ومزق الأغلال وأقبل إلى أرض الأبطال والنزال.
كان شخصية تبدو عليه ملامح القيادة فاستلم قيادة ماني كانداو, وفي زيارته الأخيرة لأهله حاولوا أن يقيدوه بأغلال الدنيا ويوثقوه ببعض اغراءاتها فعرضوا عليه سيارة وزوجة ووظيفة وكأن لسان حاله يجيب (ياقوم أنتم في واد ونحن في واد).
في جلال أباد: وجاءت الشهادة قرب ثمرخيل على مشارف جلال آباد في يوم عزيز على المسلمين حيث فتحوا مناطق واسعة وأذل الله فيه الكفر وأهله.
وكان معه أبويونس السعودي وأبو طارق اليماني أمير برو ومنير المدني وهداية الله الكردي وقد شهدوا أن وجهه كان مستنيرا مشرقا بإشراقة الشهادة -إن شاء الله- ولا نزكي على الله أحدا وأنهم شموا من دمه رائحة المسك.
وفي (برو) مركز العرب ثوى ماجد تحت التراب ولم يمت لأن ذكره لا زال بين الأحياء ولعل الله يتقبل شهادته (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون).
وكانت شهادته في اليوم الأول من شعبان سنة (9041هـ) الموافق للثامن من مارس سنة (9891م) فرحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الصالحين.
من صفات أبي عمر المدني الإيثار والحق أن الإيثار صفة تجدها في كثير ممن وفدوا إلى الجهاد لأن أرواحهم معروضة على الرحمن أفيبخل بما دونها .. لقد رتب ذات مرة عملية ضد أعداء الله واتصل باللاسلكي واطمأن على سير المعركة, وكان يحمل مدفع (28) وبجانبه صاحبه الذي يحدث عنه وكانت العملية في (ماني كانداو) وبعد أن وضع القذيفة في المدفع أخرج يده ليضغط على الزناد فأصابته رصاصة في يده ولم يكن في الموقع سوى بغل واحد فقال صاحبه: قدمته لماجد ليركب فرفض إذ كان بجانبه جريح آخر فأركبه على البغل ومشى