سهام الردى جسده, وهناك في أعالي تكاب شرين دفن أبو ياسر بعد أن قطع الحزن عليه نياط القلوب ولكنه دفع مهر الحور كما قال لإخوانه أثناء صعود الجبال (صبرا فإن هذا مهر الحور) , (وكان معروفا بيننا بصيام النوافل في السفر والحضر).
وداعا أبا ياسر فقد عشت عزيزا وهاجرت وحيدا ومت شهيدا -إن شاء الله- ولا نزكي على الله أحدا, وداعا أبا ياسر فقد دفعت ثمنا من أثمان ركود هذه الأمة ونحن على الطريق سائرون ولن تجد منا من يخون المسيرة.
الشهيد أبو مهاجر (محمد سعد اليمني):
من وصيته:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها
إخواني, لقد سمعت وحضرت كيف يموت كثير من الناس فلم أجد أكرم ولا أشرف ولا أعز من الشهادة في سبيل الله)
لم يكن هذا الشهيد الشاب ممن طال بهم الزمان في الجهاد ولم يكن ممن فتحت على أيديهم الفتوحات, ولم تظهر له خوارق الكرامات ولكنه رجل نظن أنه صدق الله فصدقه.
عبر إلى الجنة بأقصر طريق .. جاور ربه راضيا بقدره بل كان متشوقا إلى ذلك, والذي يلفت النظر قصة هذا المجاهد أن لبثه في الجهاد قصير جدا, فقد اختاره الله في أول مرة يشارك فيها في عملية ضد الشيوعيين على أرض جلال آباد وفي أول لحظة وطئت فيها قدماه أرضها ومما يلفت النظر في وصيته أنها مع قصرها فإن سطورها تنبيء عن عمق إيمان صاحبها وقوة يقينه (نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا) كما تنبىء عن رزانة وحكمة قلماتتوفر لدى الشباب ممن هم أطول منه باعا , وأقدم منه في أرض الجهاد.
حاول الشهيد السفر إلى أرض الجهاد ولكنه وجد معارضة شديدة من أهله بوضع العراقيل في طريقه حتى إن إخوة له ذكروا أنه اجتمع عدد من أفراد قبيلته لمحاولة اقناعه بالبقاء لأنه صغير السن تارة أو لأنه يجب عليه أن يكمل دراسته تارة أخرى ثم بالضغط عليه ولكن كان أقوى من ذلك كله, فإصراره وعزيمته كانتا أكبر من سنه, فمكث عاما كاملا ولسانه يلهج بذكر الجهاد والشهادة في سبيل الله ولم تضعف عزيمته ولم تخر قواه, يل كان في العام التالي أشد إصرارا فحاول مرة ثانية ونجح في استخراج جواز السفر وكسر كل القيود وانطلق إلى أرض الجهاد بقلبه وقالبه فكان يردد دائما قوله تعالى (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات) , وقول الشاعر:
أنا لله قد نذرت حياتي ... وسألت الله حسن الثبات
كان شديد الحب للجهاد, ما جلس في مجلس إلا وتحدث عن الجهاد محرضا إخوانه للذهاب معه, يقص عليهم مما يسمع من أخبارالجهاد, كان أمله بالله كبيرا , تصوره للجهاد واسعا , كان يريد أن يعد نفسه للجهاد في كل مكان وليس في أفغانستان فحسب, فأكمل الدورة التدريبية على أمل أن يشارك في عمليات جلال آباد ثم يعود ليأخذ دورة أخرى ليواصل الجهاد بإعداد أحسن .. ولكن الله اختاره في أول لحظة وطئت فيها قدماه أرض جلال آباد حيث أصر أن يشارك في أول عملية يشهدها ولم يرض بغير الصف الأول فجاءت قذيفة هاون لتأخذه هو والشهيد محمد هاشم معا , إلى جنات الخلد -إن شاء الله- فاختاره ربه إلى جواره وعجل له باللقاء (ويتخذ منكم شهداء) فنعم المجاهد, فقد تمنى الشهادة صادقا فصدقه الله وآتاه إياها -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا -.
رحمه الله رحمة واسعة فقد ترك فجوة في قلوبنا التي كانت قد تعلقت به حبا في الله والله فقد كان يحترمه جميعنا مع صغر سنه وكان كثير الإستخارة في الأمور كلها, طيب الخلق, حسن المعشر يلهج لسانه كثيرا بذكر الجهاد ومتابعة أخباره .. ناصع المحيا لا تنقطع الابتسامة عن وجهه .. مع رجولة وحزم, يصفه إخوانه بأنه أكبر من سنه.
ألا رحم الله الشهيد (أبا مهاجر) وأسكنه فسيح جناته وأنزله منزلة الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا وألحقنابه في الصالحين إن شاء الله ... آمين.