شباب في طهر الملائكة يلبسون أردية بشر, أحلامهم, أمانيهم خطواتهم, كلماتهم تحمل في طياتها آلام أمة الأسلام وآمالها.
أحلامنها الطهر لا رجس ولا كدر ... إذا نشأها الصبا رقت رياحينا
نظروا إلى الأمة الإسلامية تمزق أشلاء وتعمل بها مخالب الظلم, وتتناوشها الذئاب في كل مكان فأبوا على أنفسهم أن يموتوا كما يموت البعير على فرشهم الوثيرة.
في مخالب الظلم من أكبادنا مزق ... وفي النيوب بقايا من أمانينا
شباب عشقوا الموت في سبيل الله كما جاء في الحديث الشريف خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانه) أي يبحث عن الموت حيث يظنه موجودا فلا يسمع ضجة ولا صوتا مخيفا إلا وطار إليه بفرسه.
والآن تعالوا معنا نفتح صفحات من حياة كل شهيد من الثلاثة?
الشهيد عثمان (خالد الكردي)
فاتحة سجل الخالدين من أبناء طيبة:
في الأرض الطاهرة وفي الحرم المدني ما بين عير وثور (جبلين في المدينة) كان مسقط رأس خالد, شب وترعرع وهو يعيش الحياة الأسلامية من خلال أكمامها وتلالها فهنا قزح وهناك أحد وما بين وادي العتيق وبطحان تتراءى صور الصحب الكرام في مخيلته وكل ذرة تراب, أو شجرة نخيل, أو كثيب من كثبان الرمل يثير في أعماقه التاريخ المشرق الذي خطه رسول الله -ص- وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم بعرقهم ودمائهم, فهنا قباء وهناك قصر كعب بن الأشرف, ومنازل بني قريظة كلها تفتح آفاقا عريضة أمام الداعية وكيفية تخطي عقبات الطريق وعقابيل المسيرة.
دخل خالد المدرسة حتى إذا وصل الثانوية صار يطرق مسامعه أصداء الرصاص ودوي المدافع التي تردد من بعيد في جبال الهند كوش فتقض مضاجعه وتورق أجفانه.
وانتظرها لحظة العمر بفارغ الصبر حينما نفر أستاذه أبو البراء إلى الجهاد فخف ولحق به.
والتقيت بخالد في جاجي في رمضان سنة (5041هـ) فسألته عن اسمه فقال خالد, فقلت: بل أنت عثمان إنه في حياء يذكرنا بسيدنا عثمان رضي الله عنه على الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها, بسيط تلمح البراءة في وجهه كأنها براءة الأطفال فلا التواء ولا دس ولا خبث, وبعد رمضان أوغل عثمان في الداخل.
إلى خرد كابل:
وسار إلى جكري وامضى عدة أشهر ثم عاد إلى المدينة المنورة ودخل معهد الجامعة ولكن نفسه التي تذوقت حلاوة الجهاد أنى لها أن تستطعم العيش بين جموع القاعدين حتى ولو كان في أرض طابة المباركة وبين أروقة الجامعة الإسلامية حيث ينهل العلم من خلال كتب التفسير والحديث وبقي يتقلب على الشوك, عافت نفسه مخالطة الناس فأصبح غريبا بين أهله واستأجر بيتا قديما يذكرك ببيت أبي ذر الغفاري رضي الله عنه واتخذه مقرا لعزلته بعيدا عن صخب أهل الدنيا وأحلامهم, هاربا من تمنياتهم وآمالهم وكلامهم, جسده في مدينة المصطفى ص وروحه تطيف ببغمان وكابل وميدان وجاجي.
بغمان هيجت الذكرى لواعجنا ... وارخصت دمعها الغالي مآقينا
ولم يطق البقاء في المدينة فخف للنفير مرة أخرى وجاء خالد والشوق يحدوه إلى الجهاد مرة أخرى.
في المأسدة: ووصل خالد المأسدة يعيد إلى نفسه ما فقدت بعيدا عن ميدان الرجولة والإباء ولسان حاله يردد:
تأخرت استبقي الحياة فلم أجد ... لمثلي حياة قبل أن أتقدما
فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدم
وأصبح عثمان كأنه شجرة من أشجار المأسدة أو أكمة من آكامها لا يحب فراقها.