تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأن الموت جسر لابد أن يمر عليه كل حي ففجعت ولا تكاد تصدق فالتقطت بعض أنفاسها واستطاعت أن تجمع بعض الكلمات التي جمدت على شفتيها فقالت: متسائلة عن زوجها أن زوجها في الرباط منذ فترة وفي جبهة أخرى ولا ترى منه إلا الخيال: ـ

طواه الطوى حتى استمر مريره ... فما فيه إلا العظم والروح والجلد

الطوى: الجوع, استمر مريره: استحكم

قالت: أقتل مصطفى?

فأجابت أختها: لا إنما هو وليدك خالد.

فخارت رجلاها وسقطت على الأرض مغشيا عليها ولم تستيقظ إلا في اليوم التالي:

وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض

وهكذا مضى خالد في زهرة عمره وهو ابن السادسة عشرة بعد وقد ذكرت بشهادته استشهاد عمير بن أبي وقاص أصغر شهيد في بدر.

وهكذا قطفت هذه الوردة في لمح البصر وحرمنا شذاها ليعبق عرفها (ريحها الطيب) بين رياحين لا تذبل ولا تذوي -إن شاء اللهـ.

إن يحتقر صغرا فرب مفخم ... يبدو ضيئل الشخص للنظار

إن الكواكب في علو محلها ... لترى صغارا وهي غير صغار

موسى دامني البلوشستاني:

في إيران ومن زاهدان وفي قرية من مضافاتها كان مسقط رأس موسى, أنهى المرحلة المتوسطة ونشأ نشاة دينية في بيت ملتزم بالإسلام, ولذا لم يطق الإستمرار في المدارس الحكومية فانتقل إلى مدرسة دينية ينهل منها العلم والآدب, ويشبع نهمه للمجد وهو غاية الأرب0

ولكنه كان يخشى أن يؤخذ للتجنيد الإجباري حيث يزج به في معركة ليس فوقها راية واضحة ولاهدف جلي, راية عمية يخشى أن تكون ميتتة تحتها ميتة جاهلية على الحدود العراقية الإيرانية0

الهجرة: ولذا فقد أزمع الهجرة إلى باكستان ليواصل شربه من هذا المعين العذب يتمثل في المصادر الرئيسية للتشريع في هذا الدين, ووصل كرا ي, ودخل (دار العلوم الإسلامية في كراتشي) , وقسم وقته بين دروس يتلقاها في هذا المعهد الإسلامي العتيد وبين أرض يطبق عليها ما تلقاه من مبادئ وقيم ومثل, فتسخن الكلمات بحرارة المعركة, وفي أتون القتال تصفو النفوس وتشرق الأرواح وتصقل القلوب.

فيوما في الذخيرة من سلاحي ... ويوما في الذخيرة من تلادي

الرحلة الأخيرة إلى أرض المعركة: كانت الأيام تمر ثقيلة فوق مقاعد الدراسة لأن قلبه يضطرم شوقا لأرض الأبطال وعرين إلاسود, وما أن أقبلت العشر الأوائل من ذي الحجة حتي ينطلق موسى بصحبة عشرة من أتراب الدراسة -وهكذا خلسة- يتسللون من بين حجرات الدراسة حتى يضعوا أنفسهم بين أحجار الرحى التى تطحن الحديد والبشر0

عش عزيزا أوزمت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود لا كما قد حييت غير حميد ... وإذا مت مت غير فقيد

وسار موسى الشاب المتواضع الذي يخالط إشراقة وجهه شيء من الحمرة, فتى قلما تسمع له نبسة0

عشاق الحور · الصفحة ٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ٨٩