على أكتاف هؤلاء تقوم الأمم: قال أبو الشهيد الأرحبي: لقد كنت في المأسدة ويود كل واحد منا أن يجد لحظات للراحة لشدة الإعياء الذي ينهك النفوس, في هذا الوقت العصيب رأيت شفيقا بعوده الناحل يحمل الهاون على كتفه لينصبه في مواجهة العدو فقلت في نفسي (على أكتاف هؤلاء يقوم الجهاد) فقلت (بل على أكتاف هؤلاء تقوم الأمم).
شفيق يواصل المسيرة: واستمرت مسيرة الجهاد وزاد تدفق الشباب العربي إلى الجهاد على إثر معركة المأسدة واستمر شفيق ينتقل من موقع إلى موقع جنديا مجهولا , لا يتكلم عنه أحد ولا يعرفه أحد إلا الذين يعيشون في أكناف أبي عبد الله, وعمل في خوست, ثم انفجرت براكين جلال آباد, وأقبل شفيق ولا تجده إلا في المواقع المتقدمة التي تقع على أسخن خطوط النار, وبدأ الشباب يتساقطون في ميدان البطولة والإباء وشفيق مواصل مسيرته ينتظر مصرعه وما رأيت أبيات أبي الطيب أليق بشاب عربي شهيد من شفيق:
أقل بلاء بالرزايا من القنا ... وأقدم بين الجحفلين من النبل
أعز بني الدنيا وليث إذا انبرى ... كأنك نصل والشدائد للنصل
مقيم مع الهيجاء في كل موطن ... كأنك من كل الصوارم في أهل
(الرزايا: الشدائد. القنا: الرماح. الجحفلين: الجيشين: أي إن الرماح أشد تأثرا بالشدائد منك. انبري: ظهر. نصل: سيف. الهيجاء: الحرب الصوارم: جمع صارم وهو السيف القاطع: أي حيثما تكون المعركة نجدك وكأن أهلك هم السيوف).
وقد كنت كتبت هذه الأبيات لشهيد عربي آخر فعندما بلغتني شهادة شفيق قلت: إن شفيقا أولى بهذه الأبيات.
والحق أن هؤلاء الشباب الذين جاءوا صغارا إلى الجهاد وشبوا على نار محنته, ونضج عودهم على لهيب أتونه, لم يعد للخوف أي مكان في حياتهم, إذ كان شفيق يصل في دوريات الإستطلاع في المراكز القريبة من المأسدة أو في جلال آباد على بعد عشرين مترا حتى يسمع حديث الجنود في المركز ولو نطق لسان الواحد منهم شعرا لقال:
سبحان خالق نفسي كيف لذ تها ... فيما النفوس تراه غاية الألم
الدهر يعجب من حملي نوائبه ... وصبر جسمي على أحداثه الح ط م
(نوائبه: جمع نائبه وهي المصيبة. الح ط م: الشديدة المحطمة).
الشهادة: وفي الثالث من ذي الحجة سنة (9041هـ) الموافق (5/ 7/9891م) أراد الشيوعيون أن يتقدموا على مركز الإخوة العرب وقد اغتنموا فرصة نزول الإخوة الأفغان لقضاء العيد بين أهليهم وعمل الكفار خدعة فأرسلوا ثلاث دبابات على الطريق العام نحو "خوش كنبد" و (كريز كبير) , فامتشق المجاهدون قاذفاتهم الصاروخية لمواجهتها, وبعد قليل بدأت الدبابات تبرز من خلال التلال المجاورة ودهش الإخوة لهذه المفاجئة فتقدم أحد الإخوة بمدفع (28) فلم يطلق, ثم تقدم شفيق على مدفع (57) وأطلق مجموعة من القذائف على الدبابات ولكنها كانت كثيرة ومتقدمة فاطلقت عليه دبابة قذيفة فأصابته وتناثرت أشلاؤه في الهواء ثم تراجع الإخوة العرب وأحرق أبوعبيدة المخازن والدبابات تطاردهم وجرح شاب وحاول الإخوة حمله ولكن الدبابات كانت جد قريبة وتطاردهم فلم يكن لديهم أي فرصة فطلب الأخ الجريح تركه وانسحب الإخوة العرب, ودخل الأعداء هذا المركز الذي أقض مضاجعهم ثلاثة أشهر متتالية لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم حال.
وهكذا تمزق شفيق يجمعه الله من حواصل الطير وبطون السباع (لولا حزن صفية لتركتك يجمعك الله من بطون السباع وحواصل الطير).
ونرجو الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى وأن يعوضنا وأهله خيرا منه.
الشهيد حبيب (محمد المشاري العرعري):
قبل سبعة أشهر وفد إلى الجهاد مع أخوين له ثم عاد الأخوان وبقي مستمرا في أرض الجهاد ليكتب الله له الشهادة فيها.
قدم أولا إلى معسكر صدا ثم إلى خلدند وعشق خلدند وأحبها حبا لا يستطيع معه مفارقتها وأتقن السلاح حتى يستطيع منازلة أعداء الله وقد أعد نفسه وروحه للجهاد.