فقد كان صواما قواما كما يقول أبو الدرداء: (قليل من العمل قبل القتال وإنما تقاتلون بأعمالكم) , ولخلدند موقع متقدم على خط التماس الساخن, وكان التراشق بالهاون مستمرا متبادلا وأصابته ذات مرة شظيه في يده وعافاه الله, وقد شارك أخيرا في عملية بجانب سوق خوست وقد استشهد فيها (81) مجاهدا وعاد سالما.
وإذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد
(السمهري: الرمح. مهند: سيف. الهباءة: الغبار. خادر: أسد في عرينه. مرصد: كمين يترقب صيده).
وفي الليلة التي سبقت استشهاده كانت رماية العدو كثيفة وشديدة مما اضطر قائد المعسكر أن يسحب نصف الإخوة المتقدمين في خط النار الأول وكانت المدفعية ورشاش الشيلكا (32) ملم يصلي المجاهدين بوابل من أمطار قذائفه.
وعاد حبيب من خط النار فأصابته طلقة فاخترفت رئته وكتفه وصدره فسقط على الأرض وهو يقول لإخوانه: إني لأشعر بوخز في صدري فأرادوا حمله إلى الغرفة دون أن يعلم أحد أنه أصيب فوجدوا دماءه تسيل فنقلوه بسرعة إلى مستشفى صدى وعلى الطريق صعدت روحه إلى بارئها.
رائحة المسك: ومع خروج الروح الطيبة بدأت الرائحة الطيبة تفوح مسكا في السيارة. قال لي أحد الإخوة: ما شممت رائحة أطيب من الرائحة المنبعثة من دمه, ولقد أصاب شئ من دمه ثياب الطبيب في صدى وعاد الطبيب إلى بيشاور وبقيت ثيابه تعبق شذى عطريا , ونرجو الله -عز وجل- أن يكون طيب دمه وجرحه يوم القيامة أشد وأزكى وأنفذ وأعبق.
وبقيت كلمة أخيرة عن عرعر: فقد جاءنا إلى الجهاد من هذه البلدة الطيبة عدد كريم من الإخوة, وكان لهم أثر عميق في نفوس الذين خالطوهم سواء من القسم الذي عاد إلى عرعر أم من القسم الذي بقي يواصل المسيرة فوق أشواك الطريق الدامي ونرجو الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء.
ونرجو الله أن يخلف على أهل الشهيد خيرا وأن يجعله شهيدا وشفيعا لهم يوم القيامة إنه سميع قريب مجيب.
الشهيد أبو رياض (محمد سعيد الزهراني):في عمر الورود مضى, وفي نضارة الشباب قضى, لم يدرك العشرين بعد. أحب أستاذه (رياض) فكنى نفسه أبا رياض, وقد صمم أستاذه أن يأتي ببعض تلاميذه ليعيش معهم في أرض أفغانستان يتلقون العلم والعمل معا ومعهم قائدهم وجاء الإخوة من المنطقة الشرقية في السعودية وقد شكلوا سرية أعدت نفسها للدخول وقد جمعوا بعض الأموال لأحياء المنطقة الأفغانية (غوربندبروان) ببعض المشاريع خاصة مشروع كفالة الأيتام وإقامة مستشفى ومدارس.
وكتب الله لأستاذهم أن يحضر دون الدخول لحاجة الإخوة العرب لتربيته وتوجيهه ومضى الشباب في سبيله إلى غايتهم مع الجارود كبيرهم الذي قضى في العام الماضي قريبا من عام من الزمن هناك.
ودخل الإخوة بروان وصاروا يذرعونها من كوهستان إلى غوربند يريدون أن ينفذوا المشاريع التي كلفهم أصحاب الأموال بتنفيذها وبعد ستة أشهر تقريبا أراد (أبو رياض) أن يعود إلى بيشاور. وحزم متاعه مع أخوين من ليوث الله وعادوا, وعلى الطريق محطات للراحة, ويحلو للإخوة العرب أن ينزلوا في المكان الذي يتواجد فيه العرب.
محطة شكردرا: وعند أبي علي المالكي نزل في (وادي سوف الأفغاني) حيث تجمع مجموعة من الشباب الجزائري الراجع إلى الله والمقبل على الجهاد, وهذه منطقة ساخنة لا تتوقف فيها المدافع عن أمطار حممها المتصببة يوميا -تقريبا -, وكتب الله للإخوة أن يشهدوا وقعة في شكردرا ثم جاءت القذيفة التي تناولت معها أرواح ثلاثة إخوة وهم (أبو رياض, وعماد الدين, وسيف الدين).
اطلعت على رسالة موجهة إلى أهله تشف عن نفسية صافية وتنم عن قلب متجه إلى الله -عز وجل- وما أجمل القلوب التي تصفو قبل أن تغرق في مستنقع الدنيا يدنسها الحسد وينجسها الحقد, ويشوبها الرياء. نفوس طاهرة لم تفسد بعد بالأهواء ولا تعرف الالتواء يقول فيها (أوصيكم بالجهاد لأنه ذروة سنام الإسلام ولأنه -إن شاء الله- ينجينا من عذاب أليم, وإن حلاوة الجهاد لا يعرفها إلا الذي خاضها, كما أوصيكم بالصلاة والصوم والصلاة على النبي ص حتى يكون شفيعا لنا يوم القيامة .. وإلى اللقاء بكم في جنات عدن).
رحم الله أبا رياض ونرجو الله أن يجزي أستاذه رياضا الخير وأن يجمعنا به في الصالحين.
الشهيد المهندس شمس الدين الأفغاني:
أكتب عنه مع أنني لا أكتب عن الأفغان لكثرتهم ولأن وقتي لا يتسع لذلك وكان بودي أن أكتب عن القادة الأفغان لأن تاريخهم بوارق أمل كبير للأمة الإسلامية وهم نماذج نحتذي بها على الطريق لمن أراد أن يحطم قيود العبودية وينبذ أغلال الذل, وقد اكتفيت في زاوية الشهداء أن أكتب عن كثير من الشهداء العرب والذين يسعفني الوقت بالكتابة عنهم ولكني كتبت عن القائد صفي الله أفضلي لما بيني وبينه من صلات وثيقة ومحبة