ولقد كانت صاعقة نزلت من السماء على نفوس المجاهدين عندما رأوا أستاذهم وإمامهم ومقرئهم قد مضى وتركهم, وقد كان وقع المصاب شديدا على أحمد شاه وعلى المجاهدين وبدأت الذكريات الحبيبة تحول المكان كأنه طلل خارجي قد عبثت به رياح الدهر فخيم الوجوم وساد الصمت وأطبق الحزن وعمت الوحشة وأنكر المجاهدون أنفسهم وهم يتساءلون كيف الحياة بدون أستاذنا0
يقبل الفجر وتقام الصلاة ومن يسد مكان أبي عاصم في الأمامة يجلسون بعد صلاة الفجر لحلقة القرآن ولكن مكان أبي عاصم خال:
سرى صوت المؤذن في حمانا ... وقد فقدت مآذننا بلاله
فيبدأ البكاء وينفض القوم0
إذا وضع الطعام فهذا (صحن) أبي عاصم, فتغص النفوس بالطعام, وإذا جاء المنام فهذا (فراش) أبي عاصم فتتأرق الأجفان وتتجافى الجنوب عن المضاجع0
وكاد القوم يصابون بالهذيان حزنا على الفراق00 مع أنهم فارقوا من قبله00 آباءهم وأشقاءهم00 ورأوا آلاف القتلى, ولكن أي مصاب جلل حل بالقوم بعد أن ذهبت روحهم من بين ظهرانيهم.
واضطر أحمد شاه أن ينقل المجاهدين بعيدا من المكان ثماني ساعات لينسيهم ذكريات إمامهم وما من معر كة تحصل بعد " أندراب " الا ولسان كل مجاهد يقول: اللهم ألحقني بأبي عاصم في الصالحين0
رب ارحم أبا عاصم فلقد بلغ المنزلة إن شاء الله, ورقد في مثواه الأخير هناك فوق قمة جبل شامخ حفر قبره أحمد شاه مسعود بنفسه مع المجاهدين, وكانت جنازته مهيبة مشهودة ودع بها أبو عاصم هذه الدنيا الزهيدة ومضى بعد أن أخذ القلوب في رحلة الخلود الأبدية.
إن قبره في ذرى الهندكوش ليشهد أن هذا الجهاد جهاد إسلامي عالمي وليس قتال قوم خاص بالأفغان.
فهنيئا لك يا أبا عاصم ونرجو الله أن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى إنه سميع قريب مجيب ونقول, هذا أبوعاصم فعلى منواله فانسجوا وعلى طريقه فاسلكوا0
ولحق أبو عبد الحق بالركب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد:
فكلما مضى أخ شهيد إلى الله أخذ معه جزءا من قلوبنا وفلذة من أكبادنا وسار بها إلى ربه وتبقى بعده الذكريات الجميلة التي تؤرق أجفاننا من جهة اخرى, يمضي وتبقى روحه الشفافة وهمته العالية ودأبه الناشط وحركته التي لاتعرف الكلل والملل حوافز تؤجج في صدرونا نارا على أعداء الله ونورا تضيء لنا الجادة إلى الله0
هذا المهندس من بين الذين تركوا في نفسي أثرا عميقا وبصمات واضحة, أحسبه من خيار الناس الذين يصفهم رسول الله ص: أنهم الأخفياء الأتقياء الأبرياء 0
قدم من أمريكا -مهندسا كهربائيا الكترونيا - من بقعة هي أكثر البقاع ترفا في الأرض حيث الرفاهية والمتعة ووسائل الراحة التي قدمت خدمات لا يكاد العقل البشري يتصورها وانتقل إلى أرض الجهاد حيث التراب والثلوج والجبال ولعل اقدام البشر لم تطأها من قبل
منعت زوجته أن تلحق به لأسباب ولكن هجرته إلى الله لا رجعة فيها ولا تردد ولا تلعثم فإن كانت الزوجة عائقا وعقبة كؤودا تحول دون الهجرة أو تقطعها, فلنضح بالزوجة ولنطأ على قلوبنا ومشاعرنا ونصبر ونصابر ونحن نكابد أشواقنا ونقاوم خلجات أفئدتنا (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) وبقي أبو عبد الحق على الطريق يبحث عن الشهادة ويتشوق إليها مضى إلى بكتيا يعمل في تركيب الأجهزة اللاسلكية ودخل اللوكر وفوق قمة جبل (سلطان سيف) الدي يشرف على المناطق المحيطة بكابل, أقام أبو عبد الحق يتربص بالأعداء ويستشرف الشهادة ولكن لم يكتب الله أن يقتل فوق أرض المعركة0