وتذكرنا حساسيتهم ومحاسبتهم لنفوسهم بقصة سيدنا علي رضي الله عنه عندما جثم على صدر أحد الكفار لقتله فبصق الكافر في وجهه فقام عنه سيدنا علي وتركه فعندما سئل علي عن سر تركه قال: (كنت أريد أن أذبحه ونيتي خالصة لوجه الله فخشيت إن قتلته الآن أن يكون للنفس حظ).
كتب عنه أبو النور قائلا: لقد أقبل أبو الليث إلى الجهاد قبل ستة أشهر وتدرب وكان أبرز مناقبه:
1 - كثرة النوافل والطاعات.
2 - التحري الشديد بشؤون الحلال والحرام.
3 - الدماثة في الخلق والأدب في المعاملة والمودة العميقة التي يحس بها نحو إخوانه.
4 - الإهتمام الشديد بإخوانه.
أبو يحيى المقدسي قدمه لنا فقال: كان أبو الليث رحمه الله تعالى من أهل القرآن والعبادة والذكر دائما يتلو القرآن أو يسبح, يذكرك منظره بالصحابة الكرام, قمة في التواضع ودماثة الخلق, ترى النور في وجهه الأسمر المليح, إذا عاملته في الجبهة أحببته وتشعر بالإخلاص في كلامه والتفاني في حبه لإخوانه وخدمته لهم وحرصه على نصحهم بالحسنى, دائما يغتنم المجلس ليذكر إخوانه فينفعهم أو ينتفع بهم.
عرفناه في الجبهات المتقدمة في خوست عند القائد عبد المنان يسأل كثيرا عن فلسطين وطريق الوصول لها. جاء إلى بيشاور وكان يستعد للسفر إلى كابل وودعناه ليذهب إلى نهرين مع الإخوة الماليزيين.
الأفق الرفيع الذي احتله: لقد كان أبو الليث يعيش في قمة سامقة بخلقه وسلوكه وليس أدل على ذلك من الرسالة التي سطرها إلى أبي يحيى في (71) شعبان (قبل شهادته بشهر تماما).
الأخ الفاضل أبا يحيى حفظه الله: تحية من عند الله مباركة طيبة, كما يود قلب أخ فارقكم وفي نفسه شئ من (حتى) وكان يوميا يفكر في أن يصلح ما حدث (وكلف يمني نفسه) حتى استعد للسفر وهكذا حتى غادرت الديار تحية تلبس ثوب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخي .. كان أول لقاء لقاء تلك الخيمة التي تشكو النسيان في خوست ثم سرنا سويا إلى بيشاور وفي الطريق تعرفت على ثلاثة إخوة لعب الجهاد بقلوبهم فأحببت أن يكون لي إخوة كذلك ثم في بيشاور التقينا مرات كان آخرها في مسجد سبع الليل. ولعل السؤال المهم الآن: ما الفائدة من كل ذلك? إني كإنسان تغمرني الذنوب إلى رأسي, أتصرف تصرفات كثيرة لا معني لها .. قبلا لم أكن أهتم لذلك ولكن الآن بعد أن نسيت عقلي فيجب أن أفكر قبل كل شئ أفعله وبعد كل شئ فعلته. أخي أحسب بأن علاقتي بك تسوء أحيانا ولعلي أكون سببا في ذلك منك مسامحة تغفر لي خطاياي التي ارتكبتها في حقك ليست ذلك بك تدعو لي في خلواتك بالتوفيق, وكل ذلك خشية أن أقف يوما أمام الله فيسألني عن حق عبد مجاهد لما أضعته, وقد بين لنا في كتابه أن الذلة هي ما يصلح لمعاملة المسلمين فيما بينهم, بينما العزة هي ما يصلح للكافرين, أخي قد يكون الموضوع عندك تافه لا يحتاج إلى ذكر ولكن عندي قد يكون ذا أهمية لأني صاحب الإثم وأنت صاحب الحق.
أخي دعاؤك في الصلوات وعسى نلتقي في مقعد صدق عند مليك مقتدر, سلامي للأفاضل عبد الرحيم وعلي وكل من يخدم الجهاد عن طريق مكتبكم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
استشهاده: وجاءت الفترة التي يقضي فيها وطره, ويشبع لبانته, فما أن أوفى مدة تدريبه حتى توجه إلى كابل مع قافلة حطت رحالها على الطريق بين جلال آباد وكابل لقطع الإمدادات عن جلال آباد, وعسكروا مقابل المراكز الشيوعية التي تحمي الطريق لمرور القوافل وكانت الأحزاب الجهادية تتناوب قطع الطريق فجاءت نوبته مع حزب يونس خالص ثم انتهت الفترة وجاءت النوبة الأخرى فندبه القائد أن يرحل معه فسأل القائد: منذ كم وأنت في الجهاد? فأجاب قائد يونس خالص: منذ عشر سنوات فقال أبو الليث: أما أنا فلم يمض علي سوى بضعة أشهر معظمها في مركز التدريب فدعني أشبع نهمي فتركه وفي اليوم الموعود وفي ذكرى بدر (في السابع عشر من رمضان) كان الهجوم على معسكر شيوعي ظهرا وأبو الليث صائم فرفع رأسه من خندقه وأخذ يرشق الأعداء بوابل رصاصه, فأقبلت الرصاصة التي أصابته في جبينه ووقع أبوالليث ودمه يتدفق بشدة وأفاضت روحه إلى بارئها فحمله إخوانه من الخندق ودفنوه في أحد الجبال المحيطة بكابل, وهناك ثوى الليث أبوالليث ولم تفارقه الإبتسامة التي كانت محل دهشة الجميع واعجابهم الذين تعلقوا به حبا واعجابا في الدنيا ولعلهم يتعلقون به شفاعة يوم القيامة إذا تقبل الله الجميع في الصالحين. نسأله المغفرة والفردوس لنا ولهم أجمعين.
الشهيد عبد السلام (عبد الرحمن هادي اليماني اليافعي):
وهكذا دأب أعداء الله -عز وجل- لا يدعون مكانا إلا وقد أحالوه قفرا بلقعا ولا يخرجون من قطر أو بلدة إلا وقد ركزوا صنائعهم أو من يحافظ على حظهم الممعن في الإفساد وإهلاك الحرث والنسل, فلم تدع بريطانيا (عدن) إلا وقد ضمنت أن تواصل الطغمة الشيوعية مسيرتها في احتيال الشعب اليماني الكريم عن جادة الحق وتحويله